قراءةٌ في دوريةٍ علمية (الدين والتعليم / د. نعمة برزنجي)

لما كانت طبيعة الرسالات علماً موحىً لهداية البشرية لم يكن من الغريب أن تحفل الديانات بالتوجهات العلمية وأن ترعى تلك الرسالات العلم وتُوجِّههُ وتخدمه . والإسلام خصوصاً بدأ وانتشر واستمرّ كحضارةِ "اقرأ" التي يتمحور السلوك البشري فيها حول العلم والتّعلُّم والتعليم . ونريد في هذه القراءة لفت النظر إلى العدد الأخير من أعداد مجلة "الدين والتعليم" الأمريكية والتي تهتم بنشر مواضيع حول التدريس عن الديانات من خلال تدريس التاريخ والثقافات الأخرى كتوطئةٍ لتهيئة طلاب يعيشون في هذا العالم المعاصر المتنوع ثقافياً ودينياً .

وقد قامت بتحرير هذا العدد الدكتورة "نعمة حافظ البرزنجي" المتخصصة في علم التعليم والمناهج . وبدلاً من المرور على مقالات المجلة تلخيصاً وتعليقاً فإننا سوف نطرح مادّةً مُختارةً من هذه المقالات من خلال مناقشة ثلاثة محاور: المحور الأول يدور حول شخصية وهويّة التعليم الإسلامي ، والمحور الثاني يدور حول حاجات ومعاناة الطالب المسلم ، أما الثالث فيدور حول مناهج تدريس الإسلام .

1. هويّة التعليم الإسلامي

تطرح الدكتورة نعمة نقطةً هامةً تتمثّل في المفارقة بين الأهداف التي يريد المسلمون تحقيقها من وراء عملية التعليم الديني ، وبين الوسائل التي يتبعونها للوصول إلى تلك الأهداف . إن المسلمين عامةً يُبدون اهتماماً بالدين واحتراماً له ، كما أنهم يعتبرونه مرتكزاً وأساساً للتربية الصالحة المطلوبة . رغم ذلك فإنهم يحسبون أن عملية التعليم هذه إنما هي مهمّةٌ فنّية يقوم فيها مُدرِّسٌ "بنقل" معلوماتٍ عن الإسلام للتلاميذ .

ولعلهُ من الممكن القول أن صورة "عالمٍ" و "طلاّب علم" ما زالت تشغلُ حيّزاً في الخيال الإسلامي ، ويفترض هذا الخيال أنّ من الممكن استعادة تلك الصورة بشكلٍ "عصري" من خلال النظام المدرسي الحديث عبر علاقة الأستاذ بالطلاب . ولكنّ ما يحدث أنه من خلال هذا السياق تتسلّلُ مُسلَّمةٌ تفترض أن التدريس الإسلامي الجيد هو الذي يُدرِّسُ أشياء كثيرة عن الإسلام .

ويتحدّثُ كثيرٌ من الأهلين عن المشاكل التربوية عند الجيل الجديد بدعوى أن سببها هو أن أبناء هذا الجيل "لا يعرفون كفايةً" عن الإسلام ، فالمشكلة بنظرهم تنحصرُ في أن المعرفة الفنّية الكمّية بالإسلام لم تتحقق ، وبهذا فالمسألة بنظرهم ليست مُختلفةً عن المعرفة الحسابية مثلاً ، فمن أَتقنَ تعلُّم الجمع والطرح والضرب والتقسيم أمكنهُ حلّ المعادلات الرياضية ، وكذلك فإن مَن تعلَّم كثيراً من الحقائق والمعلومات عن مملكة الحيوان صار خبيراً حيوانياً .. وهكذا .

وبمزيدٍ من التحديد ، فإن أول ما يخطر في بال الأهلين المسلمين أن التعليم الإسلامي هو تدريس "معلومات" عن الأحكام الشرعية والعقيدة الإسلامية وتفسير القرآن (المعاني اللغوية والحُكميّة للآيات) وتلاوة القرآن مُجوّداً ، إلى جانب المعرفة بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وما حدث معه بالتواريخ وأسماء المواقع والأماكن والأشخاص . ويتجلّى هذا واضحاً في الكتب التي تُؤلفُ لتعليم الإسلام حيث تجد باب العقيدة ثم باب العبادات ثم باب السيرة .. وهكذا ، وكأن المقصود هو تخريج "مُتخصص" في العلوم الشرعية أو إمام مسجد . وعندما تسأل عن رغبة الأهلين في نوعية التعليم الإسلامي فإنهم يعكسون نفس هذه الصورة التي نراها في الكتب، كما ينعكس هذا أيضاً في الكتب التي يتحمّس الأهل لشرائها لأولادهم .. فهم يُفضِّلون هذا النّمط من الكتب ، أما ما خالفها من الكتب فربما مات كساداً في الأسواق . وكل الذي يطلبه الأهل وهم واعون أننا نعيش في مجتمعٍ "حديث" أن تكون هذه الكتب مطبوعةً طباعةً أنيقةً وعلى ورقٍ مصقول ، مع عدم نسيان الألوان بطبيعة الحال .

ربما يرى البعض أن ما سبق الحديث فيه إنما يُمثّل بديهيات تم تجاوزها ، إلا أن الواقع يطرحُ أن من الضرورة الإشارة إليها لأن مثل هذه التصرفات لا تزال تصدر عما يمكن أن نسميه الشريحة المثقفة في مجتمعنا الإسلامي . فهذه الآراء التي أشرنا إليها تصدرُ عن أطباء ومهندسين ومتخصصين في بعض العلوم وكبار التُجَّار ورجال الأعمال . والغريب أن يغيب عن هؤلاء ، وعن كل من يفكر بنفس تلك الطريقة ، أن مجرد تعلُّم نوطات الموسيقا لا يُخرِّجُ عازفاً ، وأن مجرد تعلُّم ضربات السباحة لا يُخرج سبّاحاً ، وأن مجرد تعلُّم العلوم الإسلامية لا يُخرِّجُ مُسلماً ممتازاً .

وكبديلٍ لهذه الطرقة في التفكير تطرحُ الدكتورة برزنجي مدخلاً أساسياً في فهم العملية التعليمي تتمثل في أن مفهوم التقوى هو الذي يجب أن يحكم تقييم التعليم الإسلامي كما يحكم تقييم الفرد في المنظور الإسلامي {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} . وتُسارع الباحثة لتُعرِّف التقوى بعيداً عن التعريف السلبي الذي يقبع في بعض الأذهان ويُركِّزُ على الانسحابيّة والتخوّف ، مُفضِّلةً ما ذهب إليه فضلُ الرحمن من أن التقوى هي التوازن الواعي بين حاجات الفرد والمجتمع والمُهتدي بالتوجيهات الإلهية .

هذا فضلاً عن أن القرآن لم يهدف أصلاً كما ترى الباحثة إلى تقديم مفهوم ثيولوجيٍ عن الله ، ولا إلى إعطاء فلسفةٍ عن العقلانية والوحي ، وإنما جاء ليُقدّم بشكلٍ رئيسي إطاراً تعليمياً للتعامل الإيجابي البنَّاء مع الآخر .

وأخيراً ، يُشيرُ البحث إلى أن التعليم الإسلامي تحوّل من مفهومه التربوي الذي يهدف إلى بناء شخصيةٍ تستصحب الدافعيّة الإسلامية التي تسعى عبر العمل والجهاد المتواصلين لترسيخ واقعٍ صالحٍ يعكس التوازن الإسلامي ، إلى ازدواجيةٍ اصطناعيةٍ تُقدمُ معلوماتٍ إسلاميةً محنَّطةً فيها الغثُّ وفيها السّمين . إن المعرفة العامّة بالقيم الإسلامية لا يتبعُهُ بالضرورة التزامٌ بهذه القيم . ولا ينحصر الأمر فقط في أن الفرد يعيش اليوم في مناخٍ علمانيٍّ يستبعدُ الدين والمُثُل العليا ، بل إن عقل ذلك الفرد يتشكّل وفقاً للمنظومة التعليمية الحديثة التي تبني حاجزاً بين المعرفة وبين الخُلُق ، وبين العلمي والمعياري .

وتنعكس هذه الازدواجية الانفصالية عند المسلم أشدّ ما تنعكس في تقديم الولاء والاحترام للإسلام وقِيمهِ بشكلٍ عام وضبابي ، مع المحافظة على أنماط السلوك والإنتاج والمعاش وفق المنظومة "الحديثة" التي تَشكّلَ عقلُهُ العلميّ التخصصيّ من خلالها . ولا عجب إذاً أن يهشّ المسلم ولو كان عالي التخصص إلى كتب إسلامية من النوع الذي تحدّثنا عنه والذي يُبنِّدُ ويُفقِّطُ الإسلام ، وأن يتبرع بحماسةٍ لطباعة كتبٍ مصقولةٍ تُعيدُ إنتاج التراث بِغثِّه وسمينه بعد تلميعه ظاهرياً ومن الخارج فقط .