هذا هو العدد السادس من الرشاد
، يخرجُ بعد انتظارٍ ربما يكون طويلاً ، ولكنهُ كان فرصةً للإحساس بِصدقِ التواصل
بيننا وبين قرائنا الأكارم ، ممن اتّصلوا بنا بطريقةٍ أو أخرى سائلينَ مُستفسرين
بُغية التعبير عن مشاعرهم والاطمئنان على استمرارية هذه الدَّورية في سدِّ الثغرة
التي نهَضَت للمُرابطة فيها . و "رُبَّ ضارةٍ نافعة" كما يقول المثل
العربي ، فقد كان في هذه المرحلة بعض فُسحةٍ للمُراجعة والمُدارسة والتفكير في
مهمة الرشاد
وكل ما له علاقةٌ بها ابتداءً من الأهداف ، مروراً بمستوى الخطاب ، وانتهاءً بشؤون
التبويب والإخراج والتوزيع . وقد استقرَّ رأيُ القائمين على المركز على
الاستمرارية في الخطّ الأساسي العام الذي كان يحكمُ مسيرة الدوريَّة ، مع إضافة
بعض التعديلات التي تقتضيها الخبرة المتراكمة من خلال التفاعل مع القراء في الأيام
والأعداد السابقة .
وإن من أهمِّ هذه الإضافات تلك التي
تتعلقُ بِنَشرِ أبحاث متنوعة يُنجزها قسمُ الدراسات في المركز بشكلٍ جماعي يُساهمُ
فيه مجموعةٌ من الباحثين ، دون أن يقتصر العمل في البحث بالضرورة على باحثٍ واحد .
ذلك أن من التقاليد العلمية والأكاديمية المُبتكرة والمُفيدة - التي لا تزالُ
مُفتقدةً أو نادرةً في ساحتنا الفكرية (الناطقة باللغة العربية) - قيامُ مجموعةٍ
من الباحثين بإنجاز بحثٍ مُشتركٍ تصبُّ فيه جهودهم كتابةً ومُراجعةً وحواراً . إذ
لا تزال الغالبية العظمى من الأعمال المنشورة في مجال الفكر والثقافة مقصورةً على
فردٍ واحد ، في حين أن نشر هذا التقليد الجديد ربما يحمل خيراً من عِدَّة وجوه .
فمن ناحيةٍ تحملُ الرؤية الجماعية
للموضوع الواحد عمقاً في البحث وغزارةً في المعلومات يصعُبُ تواجدُها لدى الفرد ،
ومن ناحيةٍ ثانية يُساعد هذا التقليد على حلِّ إشكالٍ لا يزال يتحكَّمُ في
سِجالِنا الفكري والثقافي ، ويتمثلُ في تأثير اسم كاتب البحث أو المقالة ومدى
"شُهرتِهِ" في تقييم القراء للمادة الواردة فيهما . فكثيرٌ من القراء -
للأسف - يُعرِضُ ابتداءً - عن قراءة مقالةٍ أو موضوعٍ للبحث لمُجرَّد أن كاتبه ليس
من الأسماء الطَّنانة الرَّنانة المشهورة .. وحتى إذا ما تحامَلَ البعض على أنفسهم
وقرءوا تلك المقالة أو ذلك البحث ، فإن تقييمهم لوزنِ وقيمة الأفكار ربما تتأثرُ – بدرجةٍ أو أخرى – بمستوى تلك
الشُّهرة التي تحدَّثنا عنها . وكم تبدو طريفةً تلك التجربة التي أجراها البعض حين
وضع اسماً مشهوراً على مادةٍ كتَبَها كاتبٌ مغمورٌ ثم عرضَها على بعض القُرَّاء
فنالَت القبول والاستحسان والتقدير ، ثم عرض عليهم مادةً حقيقيةً من كتابة ذلك
المشهور ولكن تحت اسمِ الكاتب المغمور ، فكان نصيبُها الهمهمةُ والتساؤلُ
والاستنكار . وما أصدق قول الشاعر في هذا المجال إذ يقول:
كم
من صغيرٍ ولا تبدو شمائلُهُ
ورُبَّ غِـرٍّ كبيرِ الجسمِ قد بانَ
وإنما
العيبُ فيمن ضاقَ ناظرُهُ
عن المعالي ، كفاكَ اللَّمحُ تَبيانا
ونحن هنا لا نقصد التعميم بطبيعة الحال
، فهناك من القُرَّاء المثقفين من أهم أكثرُ جِديَّةً من أن يقعوا في فخِّ تلك
الطريقة في الحُكم والقياس . صحيحٌ أن الطبيعة البشرية بفطرتِها أقربُ إلى قبولِ
المشهورِ المُتعارف عليه من قبولها للجديد غير المألوف في كل مجال ، ولكن المشكلة
تظهرُ حين تُصبحُ هذه قاعدةً عامةً تنبني عليها المواقف والآراء في كل حين .
سيَّما وأن لكل شيءٍ بدايةً لا بد منها ، وأن كل كبيرٍ يبدأ صغيراً مهما كان . ومن
جهةٍ أخرى ، كم من "مشهورٍ" نَفدَ مخزونُهُ من العطاء فلم يعُد لديه
جديدٌ يُقدِّمهُ ، وإنما كل ما يُقدِّمهُ إعادةٌ ربما تحملُ اختلافاً في الشكل ،
إلا أنها لا تحتوي سوى على تكرارٍ في المضمون .. وكم من عطاءٍ أصيلٍ يزخر بالحيوية
والجديد يضيعُ على كثيرٍ من الناس ، وتُحرمُ الأمَّة من أثرهِ وخَيـرِهِ لا لسببٍ
إلا ليَفاعةِ صاحِبِهِ أو بُعدِهِ عن الصَّخب والأضواء ..
وعودةً إلى مواد هذا العدد ، نأمل أن
يشعر القارئ الكريم باستمرارية طرحنا لهموم عالمنا وعصرنا من خلال "الخطاب
الوسيط" الذي لا يُغرِق في الرؤية الأكاديمية الفلسفية البحتة (رغم كونها
ضروريةٌ ومطلوبةٌ في مكانها في إطار الرؤية الإسلامية العامة) ، ولكنه – في الوقت نفسه – يطرحُ ويُعالج
مسائل هي في غاية الخطورة والحساسية والتأثير في واقعنا المعصر .
يبدأ العدد بالمعالجة المتميِّزة التي
يتناول بها الدكتور فتحي عثمان الواقع المعاصر للمسلمين من خلال تحليله لإشكالية
افتقاد البُعد الزمني في تجربتهم الفكرية والعملية ، وذلك بسبب الخلط بين صفات
الله المُطلقة والغيبية والثابتة وبين صفات واقعهم ، الأمر الذي يجعلهم يعتقدون أن
صفات الإطلاق والغيبية والثبات تنطبق أيضاً على هذا الواقع ، فيَغفلون عن أثر
الحركة والحرية والإرادة الإنسانية في تشكيل الواقع وتغييره .
ثم يتصدَّى الدكتور نصر محمد عارف
للمساهمة في وضع المُحدِّدات الضرورية التي يجب الانطلاقُ منها عند طرحِ مشاريع
النهوض في الوطن العربي والتفكير فيها . ولا شك أن من السطحية بمكان الظن بأن مثل
هذا الطرح (الذي يحصرُ حديثه في الوطن العربي) يُمثلُ إقليميةً أو قوميةً
انعزاليةً غريبةً على روح الإسلام العالمية . فالمطروح هنا إنما يستهدفُ معالجة
أمرٍ واقعٍ يقع في إطار الدائرة العربية التي تتداخل مع الدائرتين الأخريين ،
الدائرة الإسلامية الكبرى والدائرة المحلِّية الصغرى . ولقد آن الأوان للخروج من
الفهم التقليدي الذي يُغفلُ البحث في الواقع القريب وخصوصياته بدعوى العالمية ،
فيفشلُ للأسف في امتلاك القدرة على التعامل الصحِّي والفعَّال مع المستويات
الثلاثة جميعاً (المحلية والإقليمية والعالمية) .
ومساهمةً منه في مدِّ الآفاق الفكرية
للخطاب التجديدي المعاصر في اتجاه العلوم التطبيقية ، يحاول الدكتور العربي بو
عيَّاد تحديد وتحرير مفهومي العمران والبنيان عند المسلمين ، طارحاً على بساط
البحث مسائلَ في غاية الأهمية مثل المنطلقات الشرعية التي تحكُمُ العمران والبنيان
من حُرمةٍ وحُسنِ جوارٍ ونفيٍ للضرر .. وما إليها ، إضافةً إلى الوسائل والمؤسسات
التي تُؤطِّرُ نظام التدبير العمراني والبُنياني ، من معايير اختيار الأرض ومؤسسات
التمويلٍ إلى المعايير التي تحدد شكل البناء ونوعية المواد الداخلة فيه .. على أن
يتلوه في العدد القادم موضوعٌ يتعلق بالدور الأهلي في هذه المسألة . والموضوع
بمُجمله دعوةٌ لرؤية الارتباط بين المنطلقات الفكرية للإنسان وبين ما يفعلهُ ذلك
الإنسان على أرض الواقع في مجال العمران والبنيان (أو بما يُصطلح عليه اليوم في
مجال الهندسة المعمارية والمدنية) . ولكن تلك الدعوة موجهةٌ أيضاً – بوجهٍ أخصّ – للمتخصصين في هذا
المجال ، وفي باقي مجالات العلوم التطبيقية ، للانتباه إلى ذلك الارتباط ودراسته
والحوار والكتابة فيه ، بغية الانطلاق منه للمساهمة في رسم نصيب هذه العلوم من
المشروع الحضاري الإسلامي الإنساني المعاصر .
هذا إضافةً إلى بحث الأستاذ رياض أدهمي الذي يحاول فيه تحرير معنى الغِنى والفقر وعلاقة ذلك التحرير بالزكاة الواجبة ، من وجهة نظرٍ اجتهادية تأصيلية ، وبحث الأستاذ مازن هاشم الذي يعمل على تحليل الفرق بين التديُّن المدني والتديُّن الطُّقوسي ، وكيف يؤثرُ كلٌ من النوعين في رؤية المسلمين المشوَّهة لدينهم وللعالم في نفس الوقت . وأخيراً تأتي الأبواب الأخرى وهي تحمل مجموعةً من المواضيع المتنوعة التي تحاول لفت الأنظار بصورةٍ منهجيةٍ إلى بعض ما يجري في عالمنا اليوم على الصعيدين الفكري و العملي ، على أملٍ بأن يكون فيها من الجديد والمفيد ما يُعيننا جميعاً على القيام بمسؤولية الخلافة المُلقاة على عاتق الإنسان على هذه الأرض وفي هذه الحياة .