الأستاذ الدكتور فتحي عثمان

في حوارٍ مع الرشاد

(الجزء الثاني)

الأستاذ الدكتور فتحي عثمان علمٌ من أعلام الفكر العربي والإسلامي المعاصر الذين أسهموا مبكراً وبشكلٍ جديٍ في معالجة إشكاليات الفكر التقليدي الذي يقف عند مراحل معينة في التاريخ ، وتحليل ودراسة ما  نتج عن ذلك الفكر من تطبيقات عملية وحركية على أرض الواقع . وقد مكّنته خلفيته العلمية الموسوعية - من الآداب إلى العلوم السياسية مرورا بالحقوق - وتجربته العملية الواسعة في مجالات التدريس والتأليف والصحافة ، وصلاته الممتدة بكثير من العاملين على أرض الواقع ، من طرح رؤية متميزة في كثير من المجالات . وقد تفضل مشكورا ببذل وقتٍ مقدر في هذا اللقاء الثري مع الرشاد ، والذي ننشر في هذا العدد الجزء الثاني والأخير منه .

- الرشاد : إذا انتقلنا إلى الوجود الإسلامي العام في الولايات المتحدة حيث تقيمون منذ سنوات ، بعد فترة التركيز على بناء البنية التحتية لذلك الوجود من المساجد للمقابر مرورا بالمدارس والمراكز الإسلامية، يتركّز الاهتمام اليوم في اتجاه المشاركة السياسية والإعلامية . من منطلق رؤيتكم المنهجية الاستراتيجية لأبعاد المنظومة الحضارية في هذا البلد من حيث منطلقاتها الفلسفية من جهة ، ومن حيث الإفرازات التطبيقية العملية لتلك المنطلقات على الصعيد السياسي والاقتصادي والإعلامي ، ماهي بالتحديد الغاية الممكنة للوجود الإسلامي في الولايات المتحدة ؟ ثم ما هي نقطة التوازن والواقعية بين طرفي النقيض الذين يحلم أحدهما بأسلمة أمريكا بينما يتعجل الآخر في الهروب منها كبلد كفر وفسق وإلحاد سوف تنهار تلقائيا في القريب العاجل ؟

- الدكتور فتحي : أنا أعتقد أنها مكان مناسب للنضج الفكري الإسلامي بالنسبة للمهتمين بهذا المجال . وكما طور لينين فكره في سويسرا و فنلندا وغيرها من أراضي المهجر التي عاش فيها ، بحيث نضج فكره و تبلور في الخارج ، و كما فعل كثيرون غيره في مهاجرهم ، فإن هذه الأرض يمكن أن تكون محضناً للفكر الإسلامي إذا تطور بحريةٍ في هذا المجتمع الذي يمتلك البنية التحتية المناسبة ، والذي توجد فيه إمكانيات التحاور مع كل الآراء والتجارب البشرية والتفاعل معها . هذا فضلا عن الاستفادة من معرفة النظام السياسي الأمريكي ومن وزن أمريكا عالميا بحيث يُطرح على الأقل أن هناك فكراً إسلاميا مختلفا عن المألوف والمعروف ويمكن أن يساهم في العطاء العالمي والإنساني .

و ليس معنى هذا الكلام أسلمة أمريكا ، فأمريكا بظروفها الراهنة لن تُسلِمَ بسهولة ، و يكون جيدا الآن لو أنها تنصَّرت على الأقل .. لأنها بعيدةٌ تماما عن هذا الموضوع . وإنما المقصود أنه من الممكن أن يتطور فكرٌ إسلاميٌ ناضجٌ رشيدٌ بهدوء وبعيدا عن الضجة والتيارات الصاخبة ، بحيث يكون تيارا متفاعلا مع العالم ، وموصولاً في الوقت نفسه مع الأحداث في البلاد العربية والإسلامية .

وفوق ذلك فإن الفرصة فريدة هنا للبحث نظريا وعمليا في مسائل تجديد الفقه ومسائل الاجتهاد بسبب الوجود الإسلامي المتزايد باضطراد ، وبسبب نوعية الواقع المختلفة تمام الاختلاف عن الواقع الذي نتجت فيه كثير من الفتاوى والأحكام الفقهية على مدى تاريخنا. وإذا كان البعض يسمي هذا فقه الأقليات فلا مانع عندي من استخدام مختلف المسميات ، وإن كنت أعتقد أن مثل هذه المحاولات ستفتح مسالك أخرى للتفكير وستؤثر على فقه الأغلبية في نهاية الأمر.

إن الاستقطاب الموجود في بلادنا لايسمح - للأسف - بنوعٍ من الحوار المفتوح على مختلف المواقع ، فإما أن تكون مع هذا الطرف أو ضده على طول الخط . بينما يمكن لنا هنا أن نعرف موقف الآخر منّا وأثره فينا ، ونتعلم كيف نُعدِّل من أفكارنا أو أوضاعنا بناءً على آراء الآخرين وخبراتهم المتراكمة . وكل هذا يزيدنا نضجاً ويزيد تفكيرنا عمقاً وحوارنا رُشداً ..

- الرشاد : استطراداً لسؤالنا السابق ، وإذا انتقلنا من البحث في الغاية إلى البحث في الوسيلة ، هل ترون أن التركيز على الشأن السياسي والإعلامي هو المدخل الصحيح على المدى الطويل لتحقيق تلك الغاية ؟ أو بكلام آخر : ماهي برأيكم أولويات هذا الوجود ؟ ثم ماهو بالتحديد دور العامل الثقافي والفكري في هذا المجال ؟

- الدكتور فتحي : إن دور العامل الثقافي والفكري مهمٌ جداً ، لأننا نريد أن نقنع من نخاطبهم ونحاورهم بأن هذا الفكر متميزٌ ويستند إلى قاعدةٍ علميةٍ وثقافيةٍ متينة . وإنه لن يحل الإشكال صدور تصريحٍ لصالح المسلمين ، أو أن تستضيف السيدة الأولى بعض المسلمات ، أو أن يتصل الرئيس بمجموعةٍ إسلامية أو يرسل رسالةً إليها ..

إن السياسيين يبحثون عن شيئين : الفكر والكتلة البشرية ، وإذا ما ركَّزنا على الكتلة البشرية وتركنا الفكر بحيث تصبح المسألة مسألة أصواتٍ انتخابية ، فإنني أخشى أن يكتشفوا بالتجربة أننا نُقدّم بالوناً كبيراً ليس بداخله شيء .. فمعظم المسلمين - وخاصةً منهم المهاجرون لا يُصوِّتون في الانتخابات ، ومن يعمل مع السياسيين وإن كان نشيطاً فإنه قليلٌ جداً ، ولكن الساسة يلعبون بأي ورقةٍ سياسية ممكنة ، فلندع اللاعبين يلعبون على أي حال .. ولكن في نفس الوقت يجب أن يؤازر هذا ويدعمه عملٌ فكري وعلميٌ كثيف . ولا مانع من أن تكون هناك واجهات سياسية من مثل ماكان المرحوم البنا يسميه (الفاترينا) .. ولكن المشكلة أن لاتعود هناك فاترينا للمحل ، بل يصبح المحل كله (فاترينا) .. وهذه الواجهات تعمل وتبذل جهودها ، فهناك بشرٌ مؤهلون لهذا وليس من طبيعتهم التفكير العميق أو التخطيط العميق ، ولكن في نفس الوقت لابد أن يكون هناك ذلك المحضن الفكري ، أو تلك الورشة التي تشتغل بجدٍ لتخريج الأفكار .

ولابد أن يضع العاملون في هذه الورشة في أذهانهم - والقياس مع الفارق - أنهم الآن في أقدام لينين وماركس .. بمعنى أنهم قد يبدؤوا تغييراً أساسياً يؤثر في العالم . وقد قصدت أن لا أقول : في أقدام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يُقال أنه كان معه الوحي ونحن ليس معنا الوحي وغير ذلك من مثل هذه الأفهام ..

وكذلك فإن من الضرورة أن ندرك نحن المسلمين أن ما ندعو إليه ليس شيئاً سهلاً يمكن قبوله بسهولة وإدخاله في المنظومة العالمية الموجودة حالياً . إننا نقدم شيئا مخالفاً للغاية وهو لذلك يحتاج إلى إعدادٍ وتربيةٍ وتكوينٍ وعملٍ ثقافي متطاول .. وإلى جانب النشاط الموضعي والمحلّي والمؤقت في أمريكا يجب أن يكون هناك نشاطٌ مؤسسيٌ فكري عميق يكون هدفه الجامعات ومراكز الفكر التي تتعامل مع الصفوة في مقابل رجال السياسة الذين يشتغلون مع الجماهير والعامة ..

وعلى سبيل المثال فإن هناك البعض ممن يعمل في مجال الكتب التعليمية والاتصال بالمعلمين ، بحيث لا تكون المدرسة الأمريكية نفسها جزءاً معادياً للإسلام . ونحن نعلم أن المدارس الإسلامية لا تكفي وأنه لا يمكن لكل إنسان أن يذهب إليها حتى من المسلمين ، فالمدارس العامة ستظل هي الأغلبية للمسلمين ولغيرهم ، ولو استطاع بعض المتخصصين العمل على تغيير وضعية الكتب الدراسية بشكلٍ متدرجٍ من المراحل الابتدائية إلى مرحلة الجامعة لنتج عن هذا الأمر على المدى البعيد الخير العميم ..

- الرشاد : لايزال الحوار محتدماً في بعض الأوساط الثقافية المهتمة بمسألة العلم والثقافة في الأمة حول ما يمكن أن نسميه بقيمة (العلم) ودوره اليوم . فالبعض يرى في العلم (خاصة في إطاره وصيرورته وإنجازاته الغربية) حلاً سحرياً حاسماً لكل مشاكلنا ، بل يرى فيه دينا جديدا لن يؤدي إلا للخير والجمال ، وإلى كل ما ينادي به الإسلام من مقاصد ومبادئ وغايات . وبعيدا عن البعض الذي لا يرى في العلم الغربي غير الكفر والفسوق والإلحاد ، ينادي البعض الآخر بضرورة التعامل العميق و المتوازن مع المنظومة العلمية الغربية ، ويدعو للتفريق بين منطلقاتها المعرفية وتطبيقاتها من جهة ، كما يدعو إلى الانتباه إلى طرائقها ومنهجيتها لمحاولة التمييز بين سلبياتها وإيجابياتها الممكنة ، وعدم رؤية النتائج المتحصلة عنها على أنها (حتميةٌ) تمثل (الحقيقة) المطلقة التي ليس وراءها جدال . ما هو رأيكم - من منطلق معايشتكم المطولة للمنظومة العلمية الغربية - في مثل ذلك الحوار ؟

- الدكتور فتحي : أنا رأيي طبعاً أن سلبيات العلم ظهرت في المجتمعات العلمية المتقدمة قبل أي مكان آخر . ومما حصل في هذا الباب ويشكو منه المهتمون بالعلم ذلك الفصام أو الهوّة بين العلوم التجريبية (الفيزياء والكيمياء والرياضيات والطبيعة) والإنسانيات (الآداب التاريخ الفن ..) والعلوم الاجتماعية (علم الاجتماع السياسة الاقتصاد النفس) . فالعلوم الاجتماعية تحاول اللحاق بركب العلوم التجريبية وتبتعد عن الإنسانيات ، بينما أصحاب العلوم التجريبية لايعترفون بهؤلاء و لا بأولئك . ونتج عن هذا غياب القدرة على التعامل مع الجانب غير المنظور أو الملموس في حياة الإنسان ، حتى تحول الأدب والفن إلى صناعةٍ بحتة ، وصار الأدباء والفنانون اليوم يُخاطبون جمهوراً محدوداً جداً يتناقص يوماً بعد يوم ، فوصلنا إلى تدهور عامٍ يشكو منه كبار المفكرين في العالم .

وكذلك فإن من المشاكل التي نتجت عن التخصص الدقيق ذلك الفصل الحاد الذي لانعرفه نحن المسلمين بين الروح والجسد . حيث أصبح بعض العلماء يتعاملون مع المخ ، وبعضهم الآخر مع الجهاز العصبي ، والبعض الثالث مع الأجهزة الأخرى دون باقي مكونات الإنسان ، وهكذا .. المهم أن الاعتماد على العلم على أنه سيحل كل مشاكل الدنيا إنما سينتج عنه خيبة أمل ، وإلا لحلَّ مشاكل أوربا وأمريكا التي تتخبط في مشاكل الجريمة والتعليم والأطفال والتربية .. والطريف أن العلم يأتيك بحلولٍ يظنها اكتشافاً مثل حملة (الجِوار) التي تقترحها الشرطة اليوم ليقوم أهل كل حي بحماية حيّهم دون الاعتماد بشكلٍ كامل عليهم ، بينما هذا الأمر موجود عندنا في تقاليد القرية منذ زمان طويل .

وفي نفس الوقت فإنني ضد إنكار المكتسبات التي حصلت نتيجة البحث في العلوم الاجتماعية ، ولا أوافق على المنهج الذي يعتقد أن أسلمة المعرفة يجب أن تبدأ من نقطة الصفر ، فنحن نستطيع أن نناقش الغرب بمفاهيمنا القرآنية ولكن من خلال منطقهم المنهجي . إن الإسلام يرشّد القاعدة الفكرية والمنهجية للإنسان ، بمعنى أنه يحدد : ما هي أهدافه؟ وما هي وسائله؟ وما طبيعة علاقته بالكون؟ ومن هذا المنطلق نستطيع أن نتفاعل مع العلوم الأخرى وننظر إلى الإنسان نظرةً موضوعيةً دون الظن بالحاجة إلى استخدام النظرة الميتافيزيقية البحتة .

وبالمناسبة ، فإن من المشاكل في هذا المجال أن الفكر الإسلامي التاريخي (ونؤكد على كلمة الفكر لأن الحديث ليس عن القرآن والسنة) ، أقول أن ذلك الفكر لا يُقدم لنا اليوم الإجابات المطلوبة على كثيرٍ من الأسئلة والإشكاليات . بينما التفاعل مع الفكر المعاصر يعطينا خلفيةً نُقدِّمُ فيها حتى علوم التوحيد والفقه من منظورٍ جديد . ولذلك فإن مما يؤلمني أن لا يوجد في أجيال المسلمين الجديدة ولا في القديمة بطبيعة الحال - من يدرسُ الفلسفة .

لقد قال تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها} وقال {ولقد كرّمنا بني آدم} وبهذه النظرة فإن لابن آدم نصيباً من العلم والكرامة أياً كان لونه وجنسه ودينه ، والنظر إلى الإنسان غير المسلم والتعامل معه على أنه حيوانٌ أو شبه حيوان أفقدَنَا ولا يزال يُفقدنا الاستفادة من مكتسبات القبس الإلهي في أي إنسانٍ ولو كان كافراً .. والمهم في النهاية أن نتوازن بين رؤيتنا للمشاكل الكامنة في العلم وبين تقديرنا واستفادتنا من إنجازاته الكبرى ..

- الرشاد : لنأخذ مثالا محددا هنا أيضا حول الموضوع . في مسألة "الديمقراطية" كما تعلمون حوار حاد بين المثقفين . وهناك في اعتقادنا أربعة مواقف . سنتجاوز في هذا الحوار موقفين : الأول هو ذاك الذي يرى فيها كفراً وإشراكاً ، والثاني هو الذي يقبل بها تكتيكياً على أمل القفز إلى السلطة وربما إلغائها بعد ذلك . ونود في هذا الحوار التركيز على الموقفين الباقيين : الأول هو الذي يقبل بالديمقراطية على أنها - في شكلها الراهن - (النظام) السياسي المثالي الذي يجب تطبيقه في كل زمانٍ ومكان ، والثاني هو الذي ينادي بالتعاطي معها كنموذج متقدم في مسيرة الخبرة البشرية ، ولكنه يرفض - معرفيا - القبول  بأنها نهاية الطريق ، ويطرح ضرورة وإمكانية تطوير (نظامٍ) سياسيٍ يستلهم مقاصد الشريعة وأصولها ، دون التزامٍ بالصور التطبيقية التاريخية ، كما يستلهم كل الإيجابيات الممكنة في النموذج (الديمقراطي) بعد تحليله وتفكيكه ، بُغيةَ إبصارِ تناقضاته الهيكلية ، بكل ارتباطاتها وتأثيراتها المتبادلة مع النموذج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي المصاحب . مارأيكم في هذين الموقفين ؟

- الدكتور فتحي : أنا مع الموقف الأخير . ولكن حيث أن هناك فرقاً بين الفكر المحض وبين السياسة فإنني أخشى أن يكون هذا الموقف الآن حجةً للسياسيين في عدم تطبيق الديمقراطية ، ولذلك لابد من التفريق بين الأمرين : فمن الناحية السياسية لابد من الإصرار على الديمقراطية كما هي موجودة بدل الحديث عن شيء آخر غير موجود الآن . وقد يصلح أن نطلق على الديمقراطية اليوم ماقاله ابن خلدون عن المَلَكية في زمانه بأنها الأمر الوجودي .

أما بالنسبة للأمر النظري فإن رأيي أن من غير الممكن أن تنقُدَ نظاماً من الأنظمة نقداً محكماً وأنت لم تتفاعل معه وتمارسه ، ولذلك فإن كلّ نقدنا للنظام الديمقراطي مستمدٌّ من الغربيين أنفسهم . ويمكن أن يتركز جهدنا الآن في دراستها جيداً ومحاولة تطويعها للواقع الاجتماعي في البلاد العربية والإسلامية . أما غير ذلك فرأيي الشخصي هو أن تغييرها جذريّاً الآن أملٌ بعيدٌ جداً . والمطلوب أن يصبح لدينا أُصلاءُ ومراجعُ في الفكر الديمقراطي يمكن لهم أن ينقدوه من الداخل ، تماماً كما نقد ابن حزم المنطق اليوناني بعد خمسة قرون من ظهور الإسلام وكذلك نقده ابن تيمية بعد سبعة قرون وهكذا ..

وأنا لا أقول هنا أنه لا يجب أن تكون لدينا أهدافٌ أخرى ونظرات مغايرة ، كما أنني لا أقول أن واقع الديمقراطية في الغرب قريبٌ من الكمال . يكفي أن تجد في هذا البلد مرشحاً للرئاسة ينجح رغم كل الإشكاليات المالية والأخلاقية التي أثيرت حوله لمجرد أن يعلن أن الحالة الاقتصادية جيدة ، بينما يفشل آخر لم يُجرح في شيءٍ إلا أنه ثقيل الظل أو ما إلى ذلك .. ولاشك أن هذا النوع من الإفراز أو النتيجة يندرج في إطار ما نسميه بالعامية (الكلام الفارغ) . ولكن كل ما أريده هو أن يصبح لدينا أناسٌ متعمقون في التخصصات ذات العلاقة حتى يكون نقدُنا دقيقاً وصحيحاً وطرحُنا البديل قوياً ومقنعاً..

- الرشاد : يشكل المسلمون (أقليةً) في الولايات المتحدة عملياً ، وإن لم يُعترف بهم قانونيا على ذلك الشكل . ونعلم أن لكم اهتماماً واسعا ، وربما محاولات للكتابة فيما يسمى (فقه الأقليات) . وفي هذا المجال يثير البعض - مثل الدكتور طه جابر العلواني - بعض الأسئلة الممكنة للبحث من مثل : هل يمكن القول بأن هناك فقه أقليات وفقه أكثريات في الإسلام ؟ وهل يمكن الاستعاضة بفقه النوازل عن فقه الأقليات ؟ وهل يُعتبر وجود المسلمين في الغرب من قبيل النوازل أم أنه يصبح مع الزمن وجودا أصليا ؟ والأهم من ذلك فيما يتعلق بهذا الأمر : ما هي مصادر فقه الأقليات ؟ أهي الرخص والضرورات والنوازل والواقع أم هي الكتاب الكريم مُنشِئاً والسنة منهجاً وبياناً ؟ لاشك أن الإجابة على هذه الأسئلة تحتاج إلى بحوث مطولة ، ولكن ، هل لكم بإلقاء بعض الأضواء المنهجية المحتملة على مثل تلك التساؤلات ؟

- الدكتور فتحي : ابتداءً ، أنا أعتقد أن مدخل الرخص والضروريات يعبِّرُ عما أسميه صراع اللافتات . بمعنى أن نحاول أن نأتي بلافتات وعناوين مقبولة وأن نخرِّج كل ظرف جديد على شيء قديم ..

إن هذا الفقه مختلفٌ جذرياً عن فقه الضرورات وعن فقه النوازل ، والمسألة هنا هي أن المجتمع تطور إلى حالٍ معين يغلب أن تتطور إليه المجتمعات الإسلامية بعد فترة من الزمن . والواجب علينا أن نستنبط من محاولات فقهائنا السابقين منهجاً ديناميكياً (متحركاً) يتعامل مع المتغيرات كما يظهر بوضوح في القياس والاستحسان الحنفي وفي المصالح المرسلة والمقاصد عند المالكية وفي الاستصحاب عند الحنابلة والظاهرية ، وكيف أنهم اعتبروا أن ما ورد في الكتاب والسنة لا يمكن أن يغطي كل الاحتياجات البشرية المتجددة في تفاصيلها وفروعها . ويكفيني في هذا الباب أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ : فإن لم تجد .. وكأنه عليه الصلاة والسلام يُسلِّمُ بأن هناك أشياء لن يجدها معاذ في الكتاب والسنة .

إن مشكلة الفقه الإسلامي التاريخي أنه اهتمّ - نتيجة رغبة الفقهاء في معالجة واقعهم - بالجزئيات أكثر من اهتمامه بوضع النظرية والقواعد العامة . وكذلك بالنسبة إلى علم أصول الفقه الذي نتج عن ممارساتٍ محددة حاول العلماء بعد ذلك أن يمنهجوها ولذلك ظهر علم أصول الفقه متأخراً نسبياً . من هنا ، فإننا بحاجة إلى تنظيرٍ عام وقواعد عامة تنبني على تفاعل أصول الشريعة ومقاصدها مع ظروفنا الراهنة وواقعنا المعاصر . وبناء منهجٍ كهذا المنهج بالنسبة للمسلمين في الغرب أو أمريكا يمكن أن يُطلق عليه البعض "فقه أقلية" إلا أنه مع الزمن سيفيد الأقلية والأكثرية في جميع البلاد ..

- الرشاد : تُعتبر قضية تحديد الموقع الفاعل للإنسان ووجوده فيه مقدمةً منهجيةً حساسةً و أساسيةً لحياةٍ مثمرةٍ في هذا العصر على الصعيد العام قبل الخاص . وتزداد حساسيةُ القضية عندما يتعلق الأمر بالمفكرين المتميزين - والمعدودين للأسف - في كل أمةٍ من الأمم . لقد قرأ بعض أبناء جيلي لكم - في أوائل الثمانينيات الميلادية - كتاباتٍ طرحتموها في أوائل الستينيات ، تتميز بدرجاتٍ مقدرةٍ من العمق والجرأة والأصالة ، وكان هذا البعض يعجب و هو يراجع التجارب العملية التي عاصرتكم ويتساءل : أما كان الناس يقرؤون؟؟ وإذا قرؤوا أما كانوا يفقهون؟؟ من هنا ، وبكثيرٍ من الصراحة نقول:  إن صوت الدكتور فتحي عثمان مُفتقدٌ اليوم في الساحة العربية والإسلامية الكبيرة ، بل وغائبٌ بشكل أو بآخر ، فهل من أسباب هذا الغياب الضياع المتواصل للصيحات في وديان الفراغ ؟

- الدكتور فتحي : المسألة تتعلق في الحقيقة بظروف الحياة . فأنا خارج مصر منذ عام السبعين ، وفي السنوات الأخيرة فإن معظم كتاباتي بالإنجليزية لقرائها ، وربما خلق هذا كله فجوة بيني وبين الناشرين . كما أن البعض ممن كان ينشر لي توفّاهُ الله وأتى أولاده الذين يبحثون عن شيء مختلف .. وحتى بعض الأعمال التي أخرجتها ويعلم عنها البعض لم يحاول أحدٌ نشرها . وفضلاً عن ذلك فإنه من الناحية الشرائية ربما لا يكون كل ما أقوله مطلوباً ، مثل موقفي النقدي الصريح للحركة الإسلامية .. وإن كان الطريف أن البعض يطلب مني بالتحديد الكتابة في هذا الأمر فقط ، ربما ليوظّف كلامي في خدمة جهاتٍ معينة ، لكنني أرفض لأنني لا أرى من العدل والأخلاق أن أنقد هؤلاء وهم لا يستطيعون الرد عليً لظروفهم المعروفة ..

كل هذه الظروف جعلتني لا أنشر في البلاد العربية ، لكن هذا لا يعني أنني مُضربٌ عن ذلك أو أن تلك البلاد غير مهمة . بل إنني أعتز كثيراً بكل االقديم الذي نُشر لي وتأثر به بعض الشباب والمثقفين ..

- الرشاد : واستطراداً ، نعلم أن لكم كتابا موسوعياً صدر باللغة الانكليزية بعنوان (المفاهيم في القرآن الكريم / قراءة تصنيفية موضوعية) . فهل لكم أن تحدثونا عن هذا الكتاب وعن مشاريعكم الأخرى الحاضرة والمستقبلية ؟ وبالمناسبة هل في نيتكم إصدار الكتاب باللغة العربية ؟

- الدكتور فتحي : حيث أن القرآن الكريم بترتيبه الراهن غير مرتبٍ زمنياً ولا موضوعياً ، فإن  التعامل معه يصعب على الأجيال الصاعدة في أمريكا وكذلك على الباحثين والإعلاميين . فلم يعد من الكافي أن نقول لأحد هؤلاء إذا سأَلَنا عن موضوع المرأة أن هناك كتاباً جيداً عن المرأة ، لأنه يريد أن يعرف ماذا يقول القرآن بالتحديد .

ومن هنا ففكرة الكتاب هي القيام بتصنيفٍ موضوعي لآيات القرآن الكريم انطلاقاً من القراءة الكلية لما ورد فيه حول كل موضوعٍ من الموضوعات ، بدلاً من القراءة المجتزأة التي تظلم التصور الكلي لرؤية القرآن لكثيرٍ من تلك الموضوعات الخطيرة ..

أما بالنسبة إلى صدوره بالعربية فإن جهد الترجمة جهدٌ كبيرٌ يأخذ وقتاً مقدراً ، وأنا في أواخر العمر أحاول التفرغ لأشياء أخرى أستطيع القيام بها من باب الاقتصاد في الطاقة .. ولو أن أحداً أو جهةً ذات قدرة تولّت الأمر فليس عندي مانعٌ على الإطلاق ..

- الرشاد : عودةً إلى الواقع الإسلامي العام قبل ختام لقائنا ، ما هي قراءتكم لبعض التجارب المتميزة المعاصرة في العالم الإسلامي اليوم ، من مثل التجارب القائمة في ماليزيا أو تركيا ؟ لاسيما وأن المسلمين اليوم ، وقد اشتدّت عليهم صور الآلام والنكبات والتجارب المتعثرة باتوا يركضون في اتجاه كل تجربةٍ جديدة على أنها (النموذج) و (المثال) و (الحل) .. فهل تمثل إحدى هذه التجارب أو غيرها برأيكم (الحل) النموذجي لكل المتحرِّقين ؟ أم أنها (نماذج) و (أمثلة) و (تجارب) على طريق الوعي الذي لابد أن تقطعه الأمة على مر الزمان ؟

- الدكتور فتحي : إن هذه التجارب جيدةٌ جداً لأنها بدأت من الطرح للواقع والقراءة فيه ، وهذا مسلكٌ منهجيٌ أصيل . إن على الإنسان المسلم اليوم أن يعرف الواقع جيداً ، أي الواقع العملي والدراسات النظرية عن الواقع في العلوم الاجتماعية والإنسانية ، بحيث يتحول بعد ذلك إلى الأصول الإسلامية في القرآن والسنة ثم ينظر في تراث الفكر الإسلامي لتتكيف بهذا كله استجابته للواقع .

والذي حصل في حالة أربكان ومهاتير محمد أن هؤلاء زعماء سياسيون ، فكان بحكم الطبيعة أن يبدأ عملهم من الواقع . ومفرق الطريق بالنسبة لهم ولغيرهم أن توجد وراءهم مدرسةٌ فكرية تستطيع أن تساعدهم وتدعمهم ، لأنه بغير ذلك ستمر هذه التجارب على أنها تجارب سياسية ، ولكل تجربةٍ سياسية حسنات وسيئات ، وربما تؤخذ على هذه التجارب سيئاتُها فتُسلّطُ على أصحابها الأضواء بأنهم مسلمون أتوا إلى الحكم ولم يقوموا بتغييرٍ حقيقي وغير ذلك ..

ومن أكثر ما أخافه على هذه التجارب الجماهير الإسلامية التي لم تستعدّ لهذا التغيير الذي تكون فيه البداية من الواقع وليس من التراث ، بحيث لا تُنصفُ تلك الجماهير هذه التجارب ولا تفهمها كما حدث مع أربكان في كثيرٍ من المواقف .. ولذلك فالمطلوب بإلحاح هو وجود تلك المدرسة الفكرية التي يتحول الأمر بواسطتها إلى تيارٍ في السياسة الماليزية وتيارٍ في السياسة التركية بحيث لا يكون الأمر معتمداً فقط على أفراد . وحيث أنني لا أعرف دخائل التكوين هناك فالشاهد أن هذه محاولاتٌ جيدة إذا ما أُخذت الفكرة العامة منها وجرى تعميقها وتعميمها في باقي الاتجاهات .

- الرشاد : ختاماً ، نطرح في مركز دراسات الثقافة والحضارة الدعوة إلى شباب هذه الأمة وكبارها للخروج من عقدة (الاستصغار) التي تقتلُ الطاقات الفتية ، وتئدُ المواهب الواعدة ، وتكبتُ الاستعدادات المتميزة . و نعتقد يقيناً أن هذه الأمة - بعقيدتها المتحركة النابضة بالحياة - تمتلك قدرةً متميزة على الاستجابة لعوامل التحدي الحضاري ، تُولَدُ من خلالها - من رحم المعاناة والتجارب - انطلاقاتٌ فذةٌ في كل مجال وعلى كل مستوى لتساهم في قيادة التغيير ... بعيدا عن المعاني التقليدية التي ترد في مثل هذا السؤال : ماهي رسالتكم إلى مثل تلك الطاقات والمواهب والاستعدادات ، وهي كثيرةٌ في الأمة بحمد الله ، في غياب المقاييس الإسلامية الحضارية الناظمة لأسس التعامل في مثل هذه المجالات .. وفي غياب عمليات التشجيع والدعم والرعاية والقبول ، بل والدفع إلى مواقع مقدرة من العمل والعطاء والإنتاج ؟ وهل تتم عملية التواصل الحضاري بين الأجيال في رأيكم في وجود كل المعاني التي تندرج في خانة ذلك (الاستصغار) ؟ وما هي مسؤولية المخضرمين على هذا الصعيد ؟

- الدكتور فتحي : إن رسالتي للشباب أن يتجنبوا ما وقعنا فيه ونحن شباب . بحيث يعلموا أن التطور الذي يستمر من عصر النهضة إلى اليوم ويقوم على الجدّ والعقلانية لا يُواجه إلا بأقدارٍ موازيةٍ من الجد والعقلانية والعمل المكثف الذي يرتكز إلى الكتاب والسنة ويتمحور حول الاجتهاد . ولذلك فإنني أرجو أن لا يتمحور جهد الشباب حول وضع الكتب والأفكار القديمة في مظهرٍ جديدٍ وصورةٍ جديدة ، وإنما في إبداع كتبٍ وأفكار جديدة . وكم يعجبني ما قاله الدكتور القرضاوي بأن الأصل في المعاملات الابتداع والأصل في العبادات الاتِّباع ..

ولا يعني التعمق الفكري عندي - بطبيعة الحال - الانعزال عن واقع المسلمين ، ولكن المقصود أن لا تُستهلك الجهود بحيث تكون النتيجة سطحيةً فُقاعيةً ، فمتابعة الواقع لا تعني الانجراف وراءه بحال ..

أما فيما يتعلق بمسألة الاستصغار فهي للأسف اتجاهٌ مرَضيٌ يقع فيه الكثير من (الكبار) .. ولا أعتقد أن المسألة هي مسألة احترامٍ للسن والخبرة لأن النقد والتغيير يمكن أن يكون في ظل الأدب والاحترام الواجبين ، وإنما تكمن الإشكالية في عاملين : الأول أخلاقيٌ بحت ، وهذا يجعل الإنسان يرضى بأن يحتكر مواقع معينة ، والثاني يتعلق بالأنانية والمنافع التي تتعلق باحتكار الموقع ماديةً كانت أو معنوية .. والأنانية في النهاية تجعل الإنسان يتصرف - وإن لم يُعلن ذلك - على أنه مركز الكون ، وهذا كله ليس من الإسلام في شيء.

بل إنني قد أذهب إلى أبعد من هذا لأُعلن أنني أعتقد أنه لا أمل - بشكلٍ عام - في الأجيال القديمة التي تربَّت على أفكار معينة ، لأن التغيير بعد سنٍ معينة إن لم يكن مستحيلاً فهو صعبٌ جداً .. ولذلك فإنني أظن أنه ليس هناك أصلاً أملٌ إلا في الأجيال الجديدة التي تنشأ بتربيةٍ جديدةٍ صحّيةٍ تُغيرُ معظم المفاهيم التقليدية .

والحقيقة أن إيماني بالأجيال الناشئة ناتجٌ عن تجربةٍ عملية وإن كنت لم أكتب عنها سابقاً أو أتحدث فيها لأنها قد تبدو مسألةً شخصيةً . ففي معظم زياراتي ولقاءاتي أجد أن أغلب - إن لم يكن كل - من يحاورني ويذكرني ويتابع ما أقول إنما هو من الشباب .. ومثل هؤلاء يجب أن يتسنّموا مراكز القيادة في الحركات والتجمعات لأنهم حاسمون وقادرون على نفي المتناقضات التي تعودنا كشعوبٍ وكحركاتٍ وتجمعات على معايشتها مدة طويلة . وخاصة أن زعماء الحركات كان ولا يزال نهجهم أن يعايشوا المتناقضات ولا يصدموا أتباعهم باختيارٍ محددٍ لا يجتمع فيه النقيضان ، فالبعض يريد أن يكون طريقةً صوفية وجماعةً سلفية وهيئةً اقتصادية وحزباً سياسياً في نفس الوقت .. والبعض لا يريد أن يتخذ موقفا لكي لا يصدم أحداً في الموزمبيق أو بلاد الماوماو وغير هذا من الأمور ..

      وختاماً ، فإنني آمل أن يتذكر الشباب دائماً أننا لسنا بصدد إصدار قرآنٍ جديد خالدٍ وثابت ، وليست تلك مهمتنا ، وإنما مهمتنا أن نُحدِّد ونخصِّص ونُفرِّع لزمانٍ ومكانٍ معينين ، وقد يظهر في اجتهادنا خطأٌ من جارنا القريب ، وقد يظهر الخطأ فيه بعد خمس دقائق .. ولكن لابد لكلمة الحق أن تُقال مهما كان . فإرضاء الناس جميعا غايةٌ لا تُدرك ، ولا بد لكل كلمةٍ تُحدد حقاً وتُفصّلُ أمراً وتمسُّ مفصلاً من مفاصل تفكيرنا أن ترضي قوماً وتُغضب آخرين ..