ندواتٌ ومؤتمرات
المؤتمر
السنوي الحادي والثلاثون
لجمعية دراسات الشرق الأوسط
عُقد في الفترة من 22-24 نوفمبر / تشرين الثاني ، في
مدينة (سان فرانسيسكو) غرب الولايات المتحدة المؤتمر السنوي الحادي والثلاثون
للجمعية الأمريكية لدراسات الشرق الأوسط .
وواضحٌ أن من الصعب حصر
المحاضرات والندوات التي عُقدت في مثل هذا المؤتمر الضخم ، ذلك أنه شهد انعقاد
أكثر من مئة وخمسةٍ وثلاثين جلسةً خلال أيامه الثلاثة (على شكل ندواتٍ متوازية
بطبيعة الحال) ، هذا فضلاً عن عشرات الاجتماعات واللقاءات الفرعية التي عقدتها
اللجان التخصصية في بلدان محددة من الشرق الأوسط مثل لجنة دراسات فلسطين ولجنة
دراسات اليمن ولجنة دراسات سوريا .. وفوق هذا كله ضمت فعاليات المؤتمر عروضاً
لأفلامٍ وثائقية وتسجيلية وروائية
تتناول مجموعةً متنوعةً من الموضوعات مثل المرأة والاغتراب والصوفية وفلسطين ..
ومعرضاً كبيراً للكتب التي تتعرض لمختلف جوانب الحياة في الشرق الأوسط .
وبعيداً عن محاولة الإحاطة
بتفاصيل الدراسات والبحوث المقدمة في هذا المؤتمر ، فإننا سنحاول إلقاء بعض
الأضواء الأساسية على مثل هذه النشاطات من خلال أهدافها وطبيعة المهتمين بها
ونوعية الدراسات والأوراق التي تُقدم فيها .. وبشكلٍ يعطي صورةً وافيةً – وإن كانت
مُختصرةً – لأصحاب الاهتمام ممن لا تسمح لهم ظروفهم بحضور هذا المؤتمر . ذلك
أن هذه الصورة يمكن أن تكون جزءاً من التصور الأكبر المتعلق بفهمنا للمنظومة
الغربية ولطبيعة علاقتنا مع هذه المنظومة .
ويمكن القول –
ابتداءاً – أن الهدف العامّ من عقد مثل هذه المؤتمرات إنما يتمثل في التقاء
المتخصصين في هذا الفرع من فروع المعرفة على صعيدٍ واحد بغية متابعة آخر مايُقال
ويُبحث في مجال اهتماماتهم من جهة ، ثم توسيع آفاقهم بشكلٍ تُتاح لهم فيه الفرصة
لرؤية مقارباتٍ أخرى مختلفة لما يبحثون من قضايا وشؤون . فمن صفات هذا المؤتمر
التي تميزه – تمييز مغايرة وليس بالضرورة تمييز تفضيل – عن غيره من
المؤتمرات العلمية والأكاديمية وجود درجاتٍ من المرونة والانفتاح فيه تجعله مفتوحاً لتنوعٍ هائلٍ سواء كان
ذلك من ناحية مواضيع البحث وعناوينه أو الخلفية التخصصية التي تشمل التاريخ
والدراسات الشرقية والإسلامية والاجتماع والعلوم السياسية وعلم الإنسان
(الأنثروبولوجي) وغيرها .. أو من ناحية العمق والمنهاجية بشكلٍ تتعايش فيه
بحوثٌ تمتلك درجاتٍ مقدرة من النضج والأصالة العلمية مع أوراق هي عبارة عن آراء
سطحية إما أن تغلب عليها العاطفية والبساطة أو الانفعالية التي تحاول تسخير
البحوث لأحكام مسبقة أو الحسابات السياسية الحساسة أو المصالح الفردية أو المؤسساتية
المنفعية (البراغماتية) ..
أما فيما وراء ذلك الهدف
العام فإن مما لاشك فيه أن هناك أهدافاً أخرى خاصة تتنوع وتتعدد بتعدد الجهات
والهيئات المشاركة في هذا اللقاء .. وإذا كان من التعسف والمبالغة الظنُّ
والادّعاءُ بأن هناك أهدافاً معينةً خفيةً وراء عقد المؤتمر ، فإن من البساطة
بمكانٍ أيضاً الاعتقاد بأن الأهداف العلمية والبحثية هي فقط ما يكمن وراء عقد مثل
هذه المؤتمرات . فإذا كان من المعروف والمُتفق عليه أن البحوث والدراسات
النظرية تترشّحُ شيئاً فشيئاً إلى الواقع العملي السياسي والاقتصادي والاجتماعي
لتعمل على إعادة صياغته وتشكيله .. وإذا كان من المعروف والمتفق عليه أيضاً أن
الكثير من أصحاب القرار (السياسي بالذات) يفتقرون في مجال عملهم إلى الرصيد النظري
الضروري لتشكيل الرؤية الشاملة للواقع مجال البحث ، ولذلك فهم دوماً عالةٌ – في
هذا الباب – على أهل الاختصاص
من الباحثين .. نقول إذا كان ذلك كله معروفاً ومتفقاً عليه ، فإن من الطبيعي عندها
أن نرى كيف تُصبح مثل هذه المؤتمرات – في
بعض فعالياتها ، ومن خلال الأوراق المقدمة –
مجالاً للدعاية السياسية لبعض الأنظمة أو التبرير الأكاديمي لبعض السياسات سواء منها ما كان يتعلق بالسياسة
الخارجية الأمريكية أو بعض سياسات دول المنطقة مجال البحث ..
ولا غرابة لذلك أن نرى كيف
تحرصُ إدارة المؤتمر على التصريح بشكلٍ مكتوب في جدول الأعمال والمحاضرات على أن
العديد من الندوات واللقاءات تُقام (برعاية) مؤسسةٍ من المؤسسات التي لا يخفى على
معظم الحاضرين مصدر تمويلها وطبيعة توجهها البحثي والأكاديمي ..
وبعيداً عن هذا الأمر الذي
ينبغي أن يكون واضحاً في أذهان المشاركين في مثل هذه اللقاءات .. فقد حاولت ندوات
المؤتمر معالجة وتناول بعض القضايا الأساسية والهامة التي تتعلق بالفكر أو بالواقع
العربي والإسلامي ، نسوق فيما يلي جملةً من الأمثلة عليها فقط من خلال عناوين
مجموعةٍ من الندوات مثل :
·
مصر
في القرن العشرين : السياسة ، القانون ، والمجتمع
·
الحداثة
والاختلاف : صراع الهوية في تركيا
·
الحركات
الإسلامية في الشرق الأوسط
·
جدلية
السنة والشيعة
·
صعود
وهبوط العلمانية في تركيا وإيران
·
حول
الثورة الإيرانية : نظراتٌ من ضفتي الخليج
·
المرأة
في الخليج : عاملٌ جديدٌ للتغيير
·
مسألة
السلام والصراع العربي الإسرائيلي
·
القُطْرية
ونموها في الشرق الأوسط
·
من
البعث الإسلامي إلى الصوفية وبالعكس
·
المرأة
في الشريعة الإسلامية
وهذا لا يمثل غير قطرةٍ من
فيض المواضيع التي طُرحت للبحث والحوار والمدارسة . ورغم ذلك فإن جملةً من
الإشكاليات لا تزال تطرح نفسها عند محاولة تحليل المنهجية التي تتحكم في طرح
ومناقشة مثل هذه النشاطات ، وربما كان من أهمها استمرارية عملية القراءة من
الخارج والتي تمارسها العقلية
الغربية –
وبسطحيةٍ شديدةٍ في بعض الأحيان –
لمعطيات ذلك الفكر وهذا الواقع ..
والمقصود من استخدام مصطلح
(القراءة من الخارج) هنا هو الإشارة إلى أن معظم البحوث والدراسات تتجاوز حجماً
كبيراً من العطاء الذي تم تقديمه سابقاً في مجال البحث – ولاسيما باللغة العربية
– لتُقدِّم رؤيةً إما أن تكون ابتدائيةً للغاية وقد تم قتلها بحثاً
قبل ذلك ، أو تخلُصَ إلى نتائج ومعطيات تُناقض جذرياً كل المقدمات المنهجية
الموجودة في ذلك العطاء .. والنتيجة في الحالتين جهدٌ ضائعٌ وإخراجٌ مزيفٌ
لعملية البحث العلمي ، والأخطر من ذلك ، تشويهٌ بالغٌ للحقائق والمعطيات المتعلقة
بموضوع البحث ربما يترتب عليه مع التراكم في التشويه كثيرٌ من الصور
والانطباعات الخاطئة العامة التي تحكم رؤية الغربيين لقضايا العرب والمسلمين ،
وتحكم بالتالي مواقفهم الفكرية والعملية منها ، الأمر الذي نرى شواهد عديدة عليه
على أرض الواقع ..
ويهمنا في هذا المجال
الإشارة إلى ملاحظتين هامتين يمكن أن تُستخلصا من هذا التحليل : الأولى تتعلق بضرورة
التوازن عند تفكيرنا في مدى دقة معرفة الغرب عن قضايا وشؤون الواقع العربي
والإسلامي.. ذلك أن الكثيرين من أبناء هذه الأمة يُبهرون بما يرونه قدرة الغرب
على قراءة ذلك الواقع بجميع تفاصيله وعلى جميع مستوياته ، ويخلطون في هذا
المجال بين حجم المتابعة وتنوعها الذي يُعتبر هائلاً بكل المقاييس ، وبين نوعية
تلك المتابعة ومنهجيتها ودقتها العلمية التي فيها الكثير من النظر وعليها العديد
من الملاحظات .. إلى درجةٍ تدفع الكثير من المتخصصين إلى الاتفاق على أن رؤية
الغرب لذلك الواقع وموقفهم العملي منه إنما هو ناتجٌ عن سوء الفهم والقصور في
المعرفة التحليلية العميقة أكثر منه عن الدقة والعلم اليقيني الجازم ..
أما الملاحظة الثانية ، وهي
تتعلق بالأولى لزاماً ، فإنما تتمثل في المسؤولية الملقاة على أبناء العرب
والمسلمين من المثقفين والباحثين في هذا المجال ، للقيام بالواجب والعمل على إخراج
الأبحاث والدراسات الجدية التي تتصف بالشمول والمنهاجية وتلقي أضواء متكاملة
على قضايا أمتهم بشكلٍ يتجاوز هذا الاختزال الشنيع الذي تتصف به كثيرٌ من الدراسات
في وضعها الحالي . وهي مسؤوليةٌ لا يرقى إلى تحمُّل جزءٍ من تبعاتها للأسف ذلك
الجهد البسيط الذي يبذله بعض المخلصين على المستوى الفردي هنا وهناك ويتطلب
تخطيطاً مؤسساتياً على أكبر المستويات .
ولايظننّ ظانٌّ أن المشكلة
هي مشكلة أعدادٍ من المثقفين فقط .. فالطريف أن حجم الأسماء العربية والشرقية
بشكلٍ عام في جدول أعمال المؤتمر يكاد يفوق كل تصور ، فهو حقيقةً بالعشرات ويكاد
يبلغ ربع إلى ثلث مجموع الباحثين والمحاضرين ، وهذه نسبةٌ هائلةٌ ربما لا تبلغها
أية مجموعة أخرى تختص بمنطقةٍ أخرى من مناطق العالم التي توجد لها جمعياتٌ
للدراسات . بل إن من وجوه الإشكالية
– في حقيقة الأمر – أن عطاء كثيرٍ من هؤلاء الباحثين
يتصف بنفس السلبيات التي تحدثنا عنها أعلاه ، مع ملاحظة أن الغالبية العظمى
منهم تقيم وتدرس وتعمل في هذه البلاد بشكلٍ دائم ..
وربما يتضاعف حجم المشكلة
عند البعض حين يعلم طبيعة وحساسية المواضيع التي يتناولها البحث والنقاش في مثل
هذه الندوات ، فقد يخطر في بال الغالبية العظمى من الناس ممن لا يحضرون هذا
المؤتمر أن النقاش محصورٌ في المواضيع ذات الطابع السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي
البحت مما ذكرنا أمثلةً عليه أعلاه ، إلا أن الحقيقة غير ذلك ، وفيما يلي جملة من
مواضيع الندوات التي ربما لا يتوقع الكثيرون أن تثار في هذا المجال :
·
مقارباتٌ
لدراسة السيرة النبوية
·
أحمد
بن حنبل ومصطلح المحنة
·
بين
النصوص والتأويلات الاجتهادية
·
الأدب
الإسلامي في القرن العشرين
·
بين
الحديث والقانون
·
أبناء
نوح (عليه السلام) بين اليهودية والنصرانية والإسلام
وربما كان من المناسب هنا
إثارة مسألة الاجتهاد والتجديد في مسائل الحياة المتنوعة ، مثل تلك الواردة أعلاه
، والتي ما يزال البعض يحارب من أجل احتكارها وقصرها على مجموعةٍ ضيقةٍ من
العاملين في إطار العلوم الشرعية .. ويخشى من فتح الباب للمخلصين والمجتهدين
من أبناء الأمة لاستصحابها منهجاً للحياة والعمل والتفكير والإنتاج كلٌ في إطار
اختصاصه ، بدعوى الخوف من التغريب أو التدليس أو التمييع في الدين .. والذي يغيب
عن هؤلاء للأسف أن حربهم وحراستهم ووصايتهم لا تطالُ في الأغلب غير المخلصين من
العاملين ، بينما تبقى الأبواب مُشرعةً على مصاريعها فيما وراء هؤلاء أمام كل من
يجد في نفسه القدرة على معالجة شؤون الحياة والعصر التي تهم عامة المسلمين
انطلاقاً من عقلية الاجتهاد والتجديد سواء كان مصيباً أو مخطئاً في ظنه ذاك ، وما
مثال المواضيع السابقة إلا واحدٌ من الأمثلة التي يجب التفكير بجديةٍ وتجردٍ فيما
وراءها في هذا الباب .
هذا وقد حضر فعاليات المؤتمر
مجموعةٌ من المختصين والباحثين من منطقة الشرق الأوسط من عربٍ وغير عرب . غير أن
الملفت للنظر هو تلك المفارقة التي تكاد تكون عامةً – مع بعض
الاستثناءات – بين
مستوى (الباحثين) العرب المشاركين في الندوات ، ومستوى أقرانهم وخاصةً من الأتراك
والإيرانيين . (تجدر الإشارة بهذه المناسبة أن مصطلح "الشرق الأوسط"
إنما يُطلق في عرف أهل هذا الاختصاص غالباً على مجمل الدول العربية مع إيران
وتركيا ، أما الدول التي تحت حزام شمال أفريقيا فتندرج في إطار الدراسات الأفريقية
باستثناء السودان بطبيعة الحال ، وأما الدول التي تقع شرق إيران فتصبح مجالاً
لاهتمام دراسات الشرق الأدنى) . وعوداً إلى حديثنا فقد كان المؤسف أن أفراد
الفريق الأول (أي الباحثين العرب من المنطقة) كانوا يفتقدون بشكلٍ واضح إلى العمق
أو الجدية أو المقدرة (وربما إلى الحرية) في تناول موضوعات أبحاثهم التي جاءت إما
وصفيةً وفي غاية التعميم أو تبريريةً بحتةً للأوضاع الاجتماعية والسياسية
والاقتصادية القائمة … بل إن بعضها كان بمثابة دفاعٍ مستميت عن تلك الأوضاع أبعد ما يكون
عن التجرد والمنهاجية والتوازن . بينما جاءت مشاركة أصحاب الفريق الثاني على
مستوىً مقدرٍ من العمق والموضوعية التي دفعت أصحاب البحوث إلى تحليلٍ عميقٍ
للأوضاع والمتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في كلا البلدين (تركيا
وإيران) يحتوي على العديد من إشارات النقد إلى السلبيات ، دون أيّما تضخيمٍ أو
مبالغةٍ لما يمكن أن يكون مجالات تطورٍ وتقدمٍ في هذين البلدين .
وإذا كان من الممكن تعميم
هذه الملاحظة على جموع الباحثين والمثقفين العرب – وهناك إشاراتٌ
توحي بإمكانية هذا للأسف – فإن
هذا يُصبح أمراً لا يُبشر بخير ، بل إنه يجب أن يكون مدعاة قلقٍ واهتمام لدى كل من
يهمه مستقبل وخير هذه المنطقة ..
وختاماً ، فإن حدثاً ثقافياً
في مثل هذا الحجم يمكن أن يستدعي ما لانهاية له من الملاحظات والعبر ، وكل ما يأ مله
الإنسان أن يزداد الاهتمام الجدي من قبل إنسان المنطقة نفسه بالتخصصات التي تتيح
الفرصة لحضور مثل هذه المؤتمرات ، لتغطية الفراغ الكبير ولتصحيح التشويه الخطير
الموجود في الصورة التي تُرسم للمنطقة في العقول والأذهان ، وبالتالي لتهيئة
الأجواء الصحية للتفاعل والحوار الحضاري الأصيل الذي لا يمكن أن ينبني إلا على
الفهم والإدراك الصحيحين لأبعاد الصورة الحضارية الكاملة لكل طرفٍ من الأطراف .
وإذا كان من السذاجة الظنُّ بأن من الممكن تعديل الكثير من المواقف السياسية والاقتصادية التي يتخذها الغرب من المنطقة وشعوبها وقضاياها بمجرد تصحيح تلك الصورة في مثل هذا المؤتمر ، فإن مثل ذلك العمل يبقى مطلوباً من منطلقين على الأقل : الأول انطلاقاً من أسس ومبادئ التوجه الثقافي الحضاري التي تفرض على المثقف احترام الدقة والرصانة المنهاجية ورفض الاختزال والقصور والتزييف العلمي في أي مجال ، والثاني انطلاقاً من الفهم المتوازن لطبيعة تنوع وتعدد القوى والأطراف الموجودة في الغرب ، وللإمكانية الموجودة على الدوام للتعامل والحوار مع من يحترم فيها قيم المنهاجية العلمية ، تعاوناً على ما فيه خير الإنسان والبشرية على كل صعيد وتحت كل سماء .