قراءةٌ في كتاب

تحرير المرأة في عصر الرسالة

للأستاذ / عبد الحليم محمد أبو شقة .. رحمه الله

وائل مرزا

يُعتبر كتاب الأستاذ (أبو شقة) واحداً من الكتب الموسوعية الفريدة التي أثارت نقاشاً وجدلاً واسعاً في مختلف الأوساط الثقافية والفكرية . ورغم أن هذه الكلمات وُضعت تحت عنوان (قراءة في كتاب) إلا أنني أستميحُ القارئ الكريم العذر لأصرح له بأن هذا العرض للكتاب المذكور لن يحتوي على تلخيصٍ أو حتى عرضٍ سريعٍ لموضوعات الكتاب وذلك لسببين أساسيين :

الأول هو الحجم الهائل للكتاب (يبلغ عدد صفحات الكتاب بأجزائه الستة مايقارب 1900 صفحة من الحجم العادي) والحجم الكبير لما يتعرض له ويتناوله من أبحاث وعناوين ، الأمر الذي يجعل أي محاولةٍ من هذا القبيل أمراً يكاد يقارب المستحيل ، اللهم إلا أن تتصف بالقصور والاختزال البالغين ، إلى درجة يفقد معها العرض أهميته ويكون سبباً للتشويه أكثر من كونه سبيلاً للفائدة ، خاصةً عند من يكتفون بمثل هذه المختصرات ثم يخوضون بما فهموه منها الحوارات بل يُعلنون الأحكام والمواقف النهائية والقاطعة مع مؤلفي الكتب أو ضدهم .. لاسيما وأن دراسة ومناقشة مسألةٍ واحدة من عشرات المسائل التي احتوت عليها صفحات الكتاب يحتاج إلى العديد من الصفحات وبشكلٍ لا يتناسب مع حجم وطبيعة هذه الدورية .

أما السبب الثاني ، وربما يكون هذا السبب الأهم ، فإنه يتمثل في أن لكل عملٍ فكريٍ جديٍ منطلقات كبرى ومحددات أساسية ، تتفرع عنها تفاصيل وآراء وطروحات فرعية وجانبية . وفي كثيرٍ من الأعمال تتوازى أهمية الجانبين إن لم تغلب أهمية الجانب الأول ، لأن ذلك الجانب (أي جانب المنطلقات والأصول) أكثر ثباتاً ، كما أنه هو الذي يحكم طبيعة الجانب الثاني (جانب التفاصيل) الذي يمكن أن يكون متغيراً إلى درجةٍ كبيرة .. ولقد آن الأوان لأن تنتشر  خاصةً في الأوساط الثقافية والعلمية  منهجية التفكير بالمنطلقات والمحددات الكبرى لأعمالنا ولتفكيرنا وآرائنا على مختلف المستويات، قبل القفز إلى الجزئيات والتفصيلات ، لأن البحث على ذلك المستوى (مستوى المنطلقات) ربما يكون أدعى إلى ضبط الحوار والمُدارسة ، فضلاً عن أنه أضمن لاستمرارية التخلق بأخلاقيات الحوار والاختلاف الفكري الذي غالباً ما ينتج عن الضياع في التفاصيل الجزئية مباشرةً قبل تحديد المنطلقات والمحددات ..

من هنا ، فإن هذا العرض لا يدعي القدرة على مناقشة (التفاصيل) الواردة في الكتاب ، كما أنه ليس من مهمّته موافقة أو مخالفة رأي من الآراء التي أوردها المؤلف رحمه الله ، وهي آراء تحتاج إلى الكثير من الحوار الهادئ والدراسة المتأنية التي لا تنطلق من المواقف المسبقة وإنما من التجرد وطلب الحق .. وإنما حسبُ هذه الكلمات أن تكون دعوةً لدراسة الكتاب أولاً ، وتعريفا به لمن لم يسمع عنه بعد ذلك ، وقبل ذلك كله إشارةً إلى المنهاجية التي تبعها المؤلف في إخراجه والعمل عليه وإلى الآثار الفكرية والعملية التي يمكن أن تترتب على اتباع مثل هذه المنهاجية في واقعنا المعاصر .

ينقسم الكتاب وعنوانه الكامل (تحرير المرأة في عصر الرسالة / دراسة جامعةٌ لنصوص القرآن الكريم وصحيحي البخاري ومسلم) إلى ستة أجزاء أو مجلدات .

الجزء الأول : و هو يتناول (معالم شخصية المرأة المسلمة) و يضم جملةً من المواضيع يمكن تلخيصها فيما يلي : [الأصل الواحد للرجل والمرأة مسؤوليتها الإنسانية استقلال شخصيتها مكانتها في الأسرة مسألة المشاركة في فعاليات الحياة مواقف نسائية متميزة في القرآن والسنة نماذج من قوة شخصية المرأة المسلمة وحسن إدراكها لحقوقها و واجباتها شخصيات نسائية  أحاديث صحيحة عن شخصية المرأة أساء البعض فهمها وتطبيقها (أكثر أهل النار النساء ، ناقصات عقلٍ ودين ، خلقت المرأة من ضلعٍ أعوج)] .

الجزء الثاني : وهو يتناول مسألة (مشاركة المرأة المسلمة في الحياة الاجتماعية) وفيه يطرح المؤلف [دواعي المشاركة آداب المشاركة ولقاء الرجال المشاركة في عهود الأنبياء نساء النبي صلى الله عليه وسلم واستمرار تواصلهن مع المجتمع حتى بعد فرض الحجاب وقائع المشاركة في الحياة الاجتماعية في عصر الرسالة  مشاركة المرأة المسلمة في عصرنا هذا : العمل المهني ، العمل الاجتماعي ، العمل السياسي] .

الجزء الثالث : وهو يتناول بالتفصيل ما يدعوهُ المؤلف (حوارات مع المعارضين لمشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية) وفيه يطرح ويناقش [أربع اعتراضات أساسية على أدلة مشروعية اللقاء والمشاركة  حوار حول خمسة عشر دليلاً تُساقُ لحظر المشاركة واللقاء حوار حول سبعة أقوال وآراء فكرية للمعارضين حوار حول الحجاب الوارد في قوله تعالى {فاسألوهن من وراء حجاب} حوار حول الغلوّ في تطبيق قاعدة سد الذريعة : اعتدال الشريعة هو الأصل وما هي عوامل ذلك الغلو] .

الجزء الرابع : ويتناول فيه (لباس المرأة المسلمة وزينتها) وفيه يعرض للمواضيع التالية [لماذا لم يكن العنوان (حجاب المرأة المسلمة)  مقاصد الشريعة في شروط لباس المرأة  هل حددت الشريعة طرازاً ولوناً واحداً للباس المرأة معالم ستر بدن المرأة في القرآن والسنة مشروعية سفور وجه المرأة المسلمة من (القرآن ، السنة ، أقوال الفقهاء ، سنن الحياة ، تحقيق المصالح ، رفض المشقة) تحرير مسألة النقاب التزام الاعتدال في اللباس والزينة حوار مع المعارضين القائلين بوجوب ستر الوجه حوار مع المعارضين القائلين بندب ستر الوجه] .

الجزء الخامس : ويتناول (مكانة المرأة المسلمة في الأسرة) وفيه يناقش المؤلف المواضيع التالية [الزواج  الخطبة المهر عقد الزواج الحقوق المتماثلة للزوجين الخلاف بين الزوجين ومعالجته  حق المفارقة لكل من الزوجين تعدد الزوجات] .

الجزء السادس : ويتناول (الثقافة الجنسية للزوجين) ويتعرض فيه المؤلف للمواضيع التالية [الثقافة الجنسية والحياء  نصوص من القرآن والسنة توفر قدراً من الثقافة الجنسية - تقرير الشريعة قوة الشهوة الجنسية تيسير الشريعة مجالات ممارسة المتعة الجنسية الآداب الواجبة المتعلقة بالمتعة الجنسية الشريعة وفنون الاستمتاع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الزواج والاستمتاع نماذج من أقوال الفقهاء في الثقافة الجنسية] .

ورغم ما قد يلاحظه القارئ من طول العرض السابق لعناوين الكتاب إلا أن هذا العرض لا يمثل غير جزءٍ مما هو موجود في الفهارس التي يمكن أن يرجع إليها بنفسه ، والتي تبلغ عدة صفحات في كل مجلدٍ من المجلدات . لكن المقصود بهذا العرض هو الإشارة إلى شمولية المواضيع التي يتناولها المؤلف ، بشكلٍ يشعر فيه القارئ الكريم عملياً بذلك الشمول من خلال هذه العناوين .

وفيما يلي عرضٌ لبعض ملامح أو منطلقات المنهاجية التي تحدثنا عنها سابقاً والتي كانت وراء كتابة الكتاب ، يتلو كل واحدةٍ منها حديثٌ في الفائدة التي تترتب على تعميمها في الواقع :

المنطلق المنهاجي الأول : إن هذه الدراسة تنطلق من مبدأ التجديد بكل صفائه وأصالته ، بعيداً عن نوعين من الدعاوى التي تدعي حمل ذلك المفهوم والانطلاق منه . أما النوع الأول فهو تلك الدعاوى التقليدية الشعاراتية فارغة المضمون والتي تقف عند ترديد الشعارات البراقة عن ضرورة التجديد وحتميته لتأكيد معنى خلود الرسالة وخاتميتها ، إلا أنها تقف عند هذا الحد فلا تجرؤ على التجاوز إلى ممارسة تلك الشعارات وتطبيقها في الواقع ، وأما النوع الثاني فيتمثل في تلك الدعاوى الزائفة المغرِضِ منها الذي لا يقصد سوى التزييف و التدليس أو الجاهل الذي يتكلف ما لا يُطيق و يدّعي ما ليس أهلاً له .. فمن الشعور بالحاجة العملية الشديدة والمُلحّة لتحرير القول في مسألة المرأة (وهو شعورٌ لا نعتقد أنه يجادل فيه غير مكابر ويكفي للدلالة عليه شهادة العشرات من الثقات ممن عرفوا الرجل وعايشوا همومه وآماله ، كما تشهد عليه مقدمته التي طرح فيها سبب تصديه لهذا الموضوع) من ذلك الشعور انطلق المؤلف للعمل على هذه الدراسة حتى أنجز منها ما أعانه الله عليه قبل وفاته رحمه الله .

الفائدة من تعميم هذا المنطلق : إن تعميم هذا المنطلق عند كثيرٍ من علمائنا ومفكرينا سيُخرج الأمة من دوائر التكرير والتقليد والتلخيص التي تزخر بها الكتب والندوات والمحاضرات ، ويدخلها في دوائر حيويةٍ من البحث والدراسة والحوار .. تنسجم مع طلب القرآن الدائم بالتفكر والتبصر من ناحية ، وتتصدى لمعالجة كثيرٍ من المسائل العملية الحساسة التي تتعمق إشكالياتها وتزيد من حالات البلبلة والتشويش والضياع بسبب عدم تحرير القول فيها من قبل العلماء العاملين الثقات. مع الأخذ بعين الاعتبار أنه ليس من طبائع الأمور أن تخرج مثل هذه الأعمال والتجارب الاجتهادية مكتملة الصحة والصواب في تفاصيلها و جزئياتها .. خاصةً في هذه المرحلة الانتقالية من تاريخ الأمة ، بل لابد فيها من الخطأ والمحاولة والمناصحة والتصويب .

المنطلق المنهاجي الثاني : تنطلق الدراسة من استقراء وفهم والتعامل مع الأصول والنصوص الصحيحة ، كما تبين من عنوان الكتاب أنه (دراسةٌ جامعةٌ لنصوص القرآن الكريم وصحيحي البخاري ومسلم).. وفي هذا الأمر من التحدي ما فيه حين تكون غاية العالِمِ خدمة مبدأ التجديد . لأن من الغالب تاريخياً (في العصور المتأخرة وفي زماننا هذا على وجه التحديد) أن استخدام النصوص ارتبط بالجمود والتقليد .. وغلَبَ على من يريد خدمة مبدأ التجديد (صادقاً) أو من يريد استخدامه لغرضٍ في نفسه أن يلجأ إلى ثلاثة أمور بعضها أو جميعها : فإما أن يبحث عن النصوص الفرعية أو الشاذة أو الضعيفة غير المشهورة ، أو أن يبحث عن تأويلاتٍ (غالباً ما تكون فردية) من قبل علماء مشهورين من السلف لبعض النصوص الصحيحة ، أو أن يجتنب النصوص جملةً وتفصيلاً .. وينطلق فقط من الواقع أو من العلوم الأخرى أو من المعتقدات الأخرى . كل هذا ليستند على مثل تلك الأمور في إضافة الشرعية على اجتهاده وآرائه .

الفائدة من تعميم هذا المنطلق : إن تعميم هذا المنطلق يُظهر أصالة مبدأ التجديد وارتباطه الجذري بخلود هذه الرسالة وصلاحيتها لكل زمانٍ ومكان من خلال إثبات وجود منطلقات ذلك التجديد في أصول الدين ونصوصه الثابتة .. دونما حاجةٍ إلى تلك (التخريجات) التي ضربنا أمثلةً عليها ، على أن لا يعني هذا بطبيعة الحال عدم جواز استصحاب مثل تلك الأمور بإطلاق عند التعامل مع مسألة الاجتهاد والتجديد . ومن جهةٍ أخرى فإن هذه المناجية تضمن الثقة والقبول للآراء الناتجة عنها عند أبناء الأمة وعلمائها العاملين على حدٍ سواء . وأخيراً فإن هذه المنهاجية تكشف ، بل وتفضح ، مع نموها ونضجها وتلقي الأمة لها بالقبول ، المنهاجيات الأخرى التي لم تكتفِ بأنها (نامت) على نفس هذه النصوص قروناً فلم تخرج منها بإشارة على الخلود والخاتمية ، وإنما أخذت معها مجمل الأمة في سباتها الطويل ذاك حتى وصلت إلى الأوضاع المهترئة التي هي عليها اليوم .

المنطلق المنهاجي الثالث : تنطلق الدراسة من مبدأ الشمول و الإحاطة، ويكفي للدلالة على ذلك العودة إلى فهارس الكتاب بمجلداته الستة ، وفي هذا احترامٌ للفكر ولقيمة مثل هذا العمل في حياة الأمة وواقعها ، بعيداً عن الاعتساف و الاختصار المخلّ أو الجزئية في النظر والتي أصبحت آفةً من آفات الفكر الإسلامي المعاصر، حتى كان من إفرازاتها عموم وشيوع تلك النظرات والقراءات الاجتزائية والاختزالية والخاطفة لكثيرٍ من القضايا الهامة ذات العلاقة بالدين والدنيا بين المسلمين عامة .. والمشكلة كل المشكلة هي في هذا الواقع العملي والحياتي الذي نتج وينتج عن مثل تلك القراءات والنظرات بدءاً من مستوى الفرد على صعيد حياته اليومية مروراً بالجماعات والحركات وانتهاءاً بالدول والمجتمعات ..

الفائدة من تعميم هذا المنطلق : إن تعميم هذا المنطلق يمكن أن ينقذ الأمة من حالة الضحالة الفكرية التي ابتُليت بها في الآونة الأخيرة ، ويُبعد عنها عموم حالة (أشباه المثقفين) الذين يكتفون بقراءة العناوين والملخصات والمختصرات ، ثم يتصدون للخطير من الأعمال والمواضيع والقرارت .. خاصةً في الأوساط التي يغلب فيها الاهتمام بالحركة العملية على الاهتمام بالنضوج الفكري .. ومن ناحيةٍ أخرى فإن هذا المنطلق يُصحح ذلك الاعتقاد السائد حديثاً بأن من ملامح (عصر السرعة) الذي نعيش فيه اعتماد الملخصات والعروض السريعة للأفكار ، وهو اعتقادٌ مشوهٌ يغيب عن أصحابه حالة (توزيع الأدوار) السائدة فيما يُسمى بدول العالم المتقدم ، حيث يتداول أهل العلم والفكر والثقافة مطولاتٍ ربما لم يشهد التاريخ مثالاً لها في اتساعها وحجمها ، كما يغيب عنهم أن ما يصلح في عوالم التجارة والأعمال والإدارة لا يصلح بنفس الدرجة في القضايا الفكرية ذات الأهمية والحساسية البالغة ، وذات التأثير في مصير الدول والشعوب والحضارات .

المنطلق المنهاجي الرابع : تنطلق الدراسة من مبدأ التخصص المدعوم بأخلاق وصفات العلماء . فهاهنا عالِمٌ لا يمل البحث والدراسة والتأمل مهما كان طويلاً ، يمتلك قدرةً على التفكير الهادئ العميق ، وينطلق من عمق النظرة الإصلاحية النقدية ، لا يكتفي بقبول النصح وإنما يطلبه ويبحث عنه ، يغير رأيه إذا تبين له خطؤه ، لا يتوقف عند تشخيص الداء بل يعمل على وصف الدواء ، لا يتعجل الأحكام والنتائج .. كل هذا فضلاً عن تواضعه الجم والتزامه الراقي بأحكام الإسلام وتعاليمه . وهذه بعض الصفات التي يمكن أن يجد القارئ حديثاً مفصلاً عنها في تقديم الشيخ الغزالي رحمه الله وبالذات في تقديم الدكتور القرضاوي حفظه الله في بداية الكتاب ، كما ينقلها عنه بعض كبار العلماء ممن عرف المؤلف رحمة الله عليه .

الفائدة من تعميم هذا المنطلق : إن الانطلاق من هذه الصفات يُعيد العلماء والمفكرين إلى ممارسة دورهم المطلوب في الأمة . فكم في هذه الأمة ممن يدّعي الفكر والعلم ويفتقد إلى مثل تلك الصفات . وكم من عالمٍ أو مفكرٍ في هذه الأيام يقبل النصح فضلاً عن أن يطلبه. بل إنك لترى البعض وتتعامل معهم فلا تجد قبولاً لرأيٍ آخر ولا حتى فسحةً لكلمةٍ تقولها أو رأيٍ تطرحه ، وإنما ترى إصراراً على الرأي وشعوراً بالكمال والاستغناء عن كل من سَبقَ أو عاصَرَ ، وتلمح كيف يكون الهم عند هؤلاء اصطياد العثرات والأخطاء في كل أمر يقدمه الآخرون . وأهمُّ من هذا كله كم من عالمٍ يحترم علمه وتخصصه ويتفرغ لمشروعٍ علميٍ متكاملٍ يأخذ منه هذا الوقت والجهد المقدّرَين بدلاً من الحركة الجزئية العشوائية إما في مواضيع متفرقة لاينتج عنها عقدٌ منتظمٌ أو في أمور تخرج عن إطار تخصصه ومعرفته ..

والمقصود هنا هو امتلاك القدرة على التواجد في الموقع الفاعل والعمل من خلاله ، مع وجود المرونة الكاملة والإبداع والطاقة الدافعة إلى الانتقال إلى موقعٍ فاعلٍ آخر حين تنعدم القدرة على العمل في الموقع القديم ، بعيداً عن الشعور بالعجز والانحصار في موقعٍ واحدٍ لا يمكن العمل إلا من خلاله .

المنطلق المنهاجي الخامس : تنطلق الدراسة من مبدأ الاستقلال والجرأة في الحق .. وليس هذا انطلاقاً من غرورٍ أو إعجابٍ بالنفس أو استصغارٍ لشأن الآخرين ، وإنما من منطلق العلم والفقه العميق من جانب ، ومن منطلق احترام مسؤولية العلم وأمانته من جانبٍ آخر . وبدون هذين الأمرين اللذين لا يتحصّلان للإنسان إلا بعد علوِّ قدمه حقيقةً لا زيفاً في العلم والفقه ، فإن من غير الممكن أن يكتمل دور العالم وعطاؤه ، خاصةً حين يتعلق الأمر بمسيرة الاجتهاد والتجديد في الأمة . ولقد قدّم المؤلف رحمه الله ما نحسبه مثالاً نموذجياً على الأخلاق الوسطيّة التي تجمع بتوازنٍ حسّاسٍ بين الجرأة والاستقلال من جانب وبين التواضع والاحترام والوفاء من جانب آخر (انظر ملامح هذه المعاني خاصةً ابتداءً من الصفحة 34 في المجلد الأول) .

الفائدة من تعميم هذا المنطلق : إن الانطلاق من هذه المعاني يُنقذ الأمة من إشكالية (تبَعيّة العلماء للعامّة) والتي تحصل في كثيرٍ من الأحيان ، وفي كثيرٍ من المواضيع .. وذلك بأثرٍ من الضغط النفسي والاجتماعي والأدبي والمادي الذي يشكله الرأي العام للجماهير ، خاصةً في المواضيع ذات العلاقة بالدين والشريعة .. كما أن استصحاب هذه المبادئ في حركة العلماء والمفكرين سيمكِّن الأمة شيئاً فشيئاً من تحرير القول في بعض المسائل ذات العلاقة بتلك الإشكالية مثل قضايا العُرفِ وتشكُّلهِ وهل كل رأيٍ عامٍ يُعتبرُ عُرفاً بغض النظر عن منطلقاته ومصادره ، أو مسألة عدمِ إجماع الأمة على ضلالة .. وماهو عدد وحجم المسائل التي تُجمع عليها الأمة اليوم بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال و لا تُعتبر ضلالات .. وغير ذلك من المسائل التي تحتاج إلى إعادة دراسةٍ وتحرير .

ولا شكّ أن هناك تصاحُباً وتوازناً - يحتاج إليه على الدوام العلماء و المفكرون - بين صفتي الجرأة و الحكمة و لا يمتلكه سوى أقل القليل.. بحيث لا تموت الجرأة ويظهر مكانها التردد والمُهادنة بدعوى الحكمة ، ولا تموت الحكمة ويظهر مكانها التهوُّرُ والطيش بدعوى الجرأة ..

المنطلق المنهاجي السادس : تنطلق الدراسة من منهجية ربط الخاصّ بالعامّ في الشأن الثقافي والفكري بحيث يكون العمل على قضيةٍ من القضايا منسجماً مع التصور المنهجي الكلي الذي يحكمُ الصورة الشاملة . ومن هنا نرى المؤلف يربط الهدف من دراسته  عند الحديث عن موضوع الكتاب في الصفحة 39 بقضيةٍ أكبر وأخطر هي ما يسميها (قضية تحرير العقل المسلم المعاصر) ، وهي القضية التي ظلت هماً من همومه منذ كتاباته السابقة في مجلة (المسلم المعاصر) منذ بداية السبعينيات الميلادية .

الفائدة من تعميم هذا المنطلق : إن انطلاق علمائنا ومفكرينا من هذا المنطلق يُمكِنُ أن يرسم للأمة  مع الأيام ومع الجهد التراكمي منهاجيةً جديدةً للفكر والحركة . وذلك حين ينطلق كل باحثٍ في موضوع بحثه من هذا الهمِّ المُشترك (هم تحرير العقل المسلم المعاصر) فتتخلص بذلك من الغثاء الفكري ومن السطحية الثقافية التي تطغى على جزءٍ كبيرٍ من ساحتنا الفكرية .. وبهذا الطريق وحده يمكن أن نرى نظرات جديدة إلى قضايانا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأدبية والتربوية ، بدلاً من الأبحاث التي لا تستصحب هذا المنطلق في عملها فتخرج علينا بالتكرار والاجترار والإعادة و لا شيء سوى ذلك ، حتى ليحسب الإنسان في بعض المواقع وعند البعض من المفكرين أن الزمان توقف منذ قرون ..