تطبيق الشريعة : هل هناك مجالٌ للاعتبارات والحيثيات

مازن هاشم

إن من الضرورة بمكان ونحن نفكر في عمليات الإصلاح الاجتماعي والثقافي العام أن نخرج من إطارات العاطفة والحماس إلى آفاق أوسع من البحث الاجتماعي والعلمي المكثف والهادئ في مقتضيات الشعارات التي تُرفع هنا وهناك ، وفي مدى صلاحية هذه الشعارات وكفايتها مجردةً لتكون برنامج عملٍ للأجيال الحاضرة والقادمة .

وإن من هذه الشعارات المرفوعة  شعار "تطبيق الشريعة الإسلامية" الذي ترفعه العديد من الجهات ، وتجعله هدف حركتها ومبرر قيامها . وتتفاوت المعاني العملية المقصودة من وراء هذا الشعار تفاوتا كبيراً بين مضيقٍ وموسّع . إلا أن هناك إشكالياتٍ كبرى في هذا المدخل يجب الحوار والبحث فيها ، لاسيما أن الكثيرين يخلطون - على سبيل المثال - بين تطبيق الشريعة من خلال الحركة العامة للأمة عبر قنوات التربية والتعليم والإعلام وغيرها .. وبين تطبيقها من خلال القانون .

وإحدى هذه الإشكاليات تتعلق بتخيُّل البعض بإمكانية قيام المجتمعات على القانون وحده ، بينما الحقيقة أن القانون يمثل سياجاً حارساً يحمي المجتمع من خرق النظام خرقاً بالغاً يهدد توازن المجتمع بأسره . فليست القوانين بهذا لب المجتمعات ولا خلاصتها ، وإنما هي وجهٌ من وجوه وجودها .

ويتمنى المرء لو ترفع تلك الجهات شعار تطبيق روح الشريعة الإسلامية ، لكي لا تتعلق العقول الصغيرة بحذافير التقنيات الفقهية الني فيها سِعةٌ من جهة ، ولكي لا تتعلل الأبواق المغرضة بمثل ذلك التصور الضيق وتبرر بذلك نفي اعترافها بحق الآخر في اختيار نمطه الاجتماعي من جهة ثانية .

ذلك أن جوهر الشريعة الإسلامية هو العدل وإقرار الحقوق والرفق بالعباد والسماحة في التعامل مع الوقائع اليومية التي تحمل الكثير من قصور البشر . ولذلك فإن المرء يتوقع أنه حتى كثير من الجادين في تطبيقهم للإسلام وأخذهم له ، لو طُبِّقَ عليهم تشديد المضيّقين لتذمروا وربما فضّلوا العيش في غير بلاد المسلمين ليُجنّبوا أنفسهم عناء العنت الذي أمرت الشريعة برفعه والذي يعشقه المتنطّعون ، ولِيُبقوا لأنفسهم خيار خدمة قضايا الأمة التي تستحيل في جو القسر وفرض التجارب المحلية على معاني الإسلام ، الأمر الذي يحصر آفاقه في النهاية ضمن اعتبارات جماعةٍ عرقية أو إقليمية .

أما الموضوع الذي نود البحث فيه بشكل محدد في هذا المقام فإنه يطرحُ إشكالية عميقةً نادراً ما تُعالج في هذا الإطار ، ألا وهي مدى إمكانية اعتبار الأعراف التي تخالف القوانين . وسوف نطرح هذه الإشكالية من خلال قصةٍ واقعيةٍ حدثت هنا في الولايات المتحدة مؤخراً وتحدث عنها بإسهاب الإعلام الأمريكي .

تتلخص القصة في وصول لاجئين عربيين إلى أمريكا وتعرفهما على عائلةٍ مقيمة هنا عرضت عليهما الزواج . وتزوج هذان الشابان وهما في العشرين من العمر البنتين اللتين تبلغان الرابعة عشر . وحصل أن فرّت إحدى البنتين من البنت فاتصل الأهل بالمدرسة التي اتصلت بدورها بالشرطة . وبعد جمع بعض المعلومات عن القضية إذا بالشرطة تقبض على الشابين بتهمة الاغتصاب ! حيث أن قوانين الولايات المتحدة تمنع العلاقة الجنسية ضمن سنٍ معينة ، وفي ولاية أوهايو بالذات حيث جرت أحداث القصة تُمنع العلاقة بين طرف فوق الثامنة عشرة وآخر تحت السادسة عشرة ولو كان ذلك بموافقتهما . الجدير بالذكر أن الشابين عقدا قرانهما بحضور إمام المركز الإسلامي ولكنهما الآن في عرف القانون مُغتصِبان ويواجهان احتمال قضاء خمسين عاماً في السجن ، فضلاً عن أن والدي البنتين يواجهان تهمة "إيذاء الأطفال" أمام القانون .

وليتصور المرء نفسه محاميا في هذه القضية ، وهو يريد أن يرفع الظلم عن الفرقاء في المسألة ، فما الذي يقوله للمحكمة ؟ لقد خالفت هذه العائلة وهذا الزواج قوانين البلد بشكل صريح ، وليست المسألة مسألة تهمةٍ لم تصحّ ، فالشابان لا ينكران أنهما تزوجا البنتين في هذا العمر . ولذلك فإن من الغالب أن ينطلق الدفاع من المدخل الثقافي ، ويحاول أن يبين أن هذه الحادثة جرت مع حديثي قدوم إلى أمريكا ، وممن ينتمون إلى ثقافة أخرى لاترى في مثل ذلك العمل حرجا ، بل تراه على أنه صوابٌ وحكمةٌ في إحصان شابين وبناء عُشٍّ لفتاتين .

فماذا ستكون إجابة المحكمة ؟ ستقول بعد الاستعانة بعض الخبراء بأن هذه الممارسات تراجعت كثيراً حتى في بلاد المسلمين ، وأن التبكير الشديد في الزواج كان معقولاً في مجتمعات خلت تميزت بالبساطة في العيش وبالتشارك في المسؤوليات وبالحياة الاجتماعية القريبة والكثيفة . وتميزت كذلك بِطُرُقٍ في التربية تدفع الأولاد من الصغر نحو تبني مسؤوليات الكبار ، كما أن البلوغ الفيزيائي فيها كان يقترن بالبلوغ العقلي والرشدي إلى درجةٍ معقولة. ولكن ، ستقول المحكمة أن الزمان تغير وأولاد العشرين اليوم يحلمون بـ (ديزني لاند) ويلبسون ثياباً عليها وجه قطة أو صورة سوبرمان . فالقانون هنا لذلك يقصد حماية مثل هؤلاء الأولاد الأغرار وهو لا ينظر فقط في نموهم الجسدي ، وإنما في نموهم النفسي والعقلي أيضاً .

لقد مُدِّدت فترة الطفولة في العصر الحالي ، وفي حين كان الولد والبنت يتعلمان معظم المهارات الأساسية المطلوبة للحياة مع وصولهم سن البلوغ فإنهم اليوم لا يكادون يتعلمون بعضها في سن الثامنة عشرة . وأتخيل لوكنت المحامي وقال لي القاضي أنه يرضى برأي جدتي في الموضوع ، ثم لو سألتُ جدتي التي تزوجت في الحادية عشرة وعاشت حياةً هنيئة أكرمها فيها زوجها كل الإكرام ، ومات عنها وهي تحبه وتذكره بكل خير ، وقد خلّفت البنين والبنات الذين لم يُعِبهم في شيء صِغَرُ سن زواج أمهم .. لو سألتُها أو سألها القاضي لربما أجابت بحكمتها المعتادة ورؤيتها البصيرة : يا أولادي .. لكل زمان أصول .. وسَتَرَ الله على هذين الشابين وهاتين الفتاتين ..

ودون إطالةٍ في تصور احتمالات نتائج هذه القصة ، فإن من الواضح أن الحل سوف يكون مجحفاً ما لم نُنَحِّ القانون ونحاول الحكم من خلال النظر في العادات والتصورات الثقافية . وأذكِّرُ هنا بالمثال الذي أشرت إليه في مقالٍ سابقٍ حول العادة الرائجة في أمريكا والتي لها علاقة وثيقة بموضوع بحثنا اليوم ، وهي عادة حفلة التخريج من المرحلة الثانوية التي تنظمها المدراس بنفسها . وهي حفلةٌ تحوي أنشطةً من سماع الموسيقى والرقص (وهذه نشاطات اعتيادية بالنسبة إليهم) ولكن ما يزيد في هذه الحفلة هو السماح بشرب المشروبات الكحولية (وهو أمرٌ ممنوعٌ تماماً في أنشطة المدارس!) كما أن بعض الطلاب يرتّبون مع بعض الفتيات مراسيم هي أشبه ما تكون بحفل زفاف جزئي . وينظر الأهل والمجتمع إلى هذه الحفلة وما يجري فيها على أنه تمهيد لممارسة واقع الحياة بما في ذلك الاتصال الجنسي ، ولكن بالطبع دون زواجٍ رسمي ، ويغلب أن تنقطع العلاقة فيما بعد بين الشباب والفتيات . والطريف أن المدرسة نفسها لو رتّبَتْ مثل هذا الحفل في وقتٍ آخر من العام لغلب أن تكون عاقبة المنظمين المحاكمة والسجن. والشاهد هنا هو التأمل في ارتباط القانون بالقيم الاجتماعية ، وكيف يمكن أن يتصرف في وجه حالاتٍ متشابهة فيدين البعض منها ويسمح بالباقي . فالقانون بحد ذاته ليس له معنى إلا بمقدار ما يكون قصده الصيانة والدرء والحماية .

وعوداً على بدء يتساءل المرء : هل هناك مكانٌ للحيثيات والاعتبارات مع القانون ؟ فهانحن في قصة الشابين الذين ترعرعا في وسطٍ مسلمٍ مِلنا إلى تطبيق الفهم والتحليل الثقافي ورفضنا تطبيق القانون الذي يحملُ وجهاً من المعقولية في غير هذا السياق .

والغرض هنا أن نجعل من هذه النقطة إشكاليةً عامةً نفكر كيف يمكن أن تتعامل معها دعاوى تطبيق الشريعة . فالحادثة التي تُعالجها هذه القصة تنطق بشكلٍ شديد الوضوح مدى العمق الاعتباري للسلوك البشري ، فالمسألة الواحدة اعتُبرت زواجاً حصيناً من طرف ، واغتصاباً مشيناً من طرفٍ آخر . ونُعبر عن ذلك عادةً بكلمة "تباين ثقافي" .. والسؤال الكبير هنا هو : إذا كان الإسلام ديناً عالمياً منفتحاً على كل الثقافات ، إلى أي حدٍ يمكن اعتبار التباين الثقافي عند التعامل مع مسألة القانون ؟؟

والمقصود من استخدام عبارة التباين الثقافي عادةً الإشارة إلى مسألة اختلاف القيم التي يبرزها المثال السابق . فربما لا تكون جدتي موافقةً على الزواج في مثل هذا السن المبكّر في هذا الزمان ، إلا أنها لا تقبل ولا يخطر في بالها أن تسميه اغتصاباً ، لأنها تدرك القيم الثقافية الكامنة وراء إنشاء عشٍ زوجي يتضمن الرعاية والديمومة وحفظ الحقوق .. أما التصور الأمريكي فإنه ينظر إليه من زاوية حقٍ فردي تعرّض للغرر بافتراض أن من كان عمره فوق الثامنة عشرة يستطيع أن يغرر حنسياً بمن هو تحت السادسة عشرة .

ومسألة الاختلاف في القيم تمثل وجهاً واحداً من أوجه مفهوم "التباين الثقافي" ، لكن هناك وجهاً آخر مهماً يتمثل في كيفية تخيل الناس وتصورهم لواقعهم ولطرق حياتهم وتصرفاتهم ، أي أن السلوك البشري يكتسب معناه ليس من الوصف والشكل الخارجي بقدر ما يكون ذلك من المعاناة والصيرورة الذاتية ، والقانون أبعد ما يكون عن الإحاطة بهذا .

ونضرب مثلاً لشرح هذه الفكرة من واقع قصتنا السابقة . فقد ذكرنا أن القانون لم يأخذ بعين الاعتبار مفهوم الرعاية والديمومة ، ولكننا نعلم أن الواعظ البروتستانتي لا يعقد الزواج حتى يجيب كل من الرجل والمرأة بقبول الطرف الآخر زوجاً مدى الحياة يخلص له في السراء والضراء وفي اليسر والمشقة . فقيمة الزواج والأسرة بهذا الشكل موجودةٌ في النصرانية ومازال الزواج يُتوجُ بها ، لكن الممارسات الحياتية الأخرى تبني خيالات الناس نحو هذا الزواج بشكل مختلف .

ذلك أن معظم تلك "الخيالات" التي تُحاط بها علاقة الرجل بالمرأة في هذا المجتمع إنما تأتي من زاوية الحب الرومانسي (الذي يُعتبر من مخلفات العهد الفيكتوري حيث كان الفارس يأتي ليجلس تحت شرفة امرأةٍ يحبها ولو كانت متزوجة ويغني أو ينشد في غزلها ، ولم يكن ينبني على هذا الحب الرومانسي زواجٌ بالضرورة ، وكان ذلك يُعدُّ تكريماً للمرأة !) . وحديثاً تتشكل خيالات العلاقة بين الرجل والمرأة ابتداءً بالقصص المدرسية للمراهقين ومروراً بأفلام (ديزني) وانتهاءً بالأفلام الأخرى التي تروج الزواج المثالي على أنه ذلك الذي يخرجُ ويتكون فجأةً دون الإشارة إلى عُمق  بُعد النزوة والشهوة العابرة فيه .

ولكي لا نظن أن هذا التحليل ينطبق فقط على المجتمعات غير الإسلامية يمكن أن ننتقل  إلى واقع المجتمعات الإسلامية ونتخيل على سبيل المثال وضعاً تتفقُ فيه عائلتان مسلمتان على تزويج أولادهما دون نصٍ على المهر في عقد الزواج . فهل يُعتبر مثل هذا الزواج زنىً عند من يشترط ذكر المهر ؟
إن هذه الأمثلة جميعاً تُظهرُ أن السلوك البشري مرتبطٌ إلى درجةٍ كبيرة بتصورات الناس الذاتية وتجاربهم الثقافية المعينة والتي تُضفي على العمل الواحد معاني مختلفةً ومتباينة ربما لا يكون في مقدرة القانون أن يتعامل معها ويحيط بها وفق حرفيته المعروفة .

وإن المرء ليعجب وهو يرى كيف كانت فطرة الفهم الإسلامي في تاريخ المسلمين عند التعامل مع مثل هذه القضايا  بما في ذلك معاملة غير المسلمين أكثر نضجاً في كثيرٍ من الأحيان من بعض الصياغات الفقهية ومن بعض الطروحات الفكرية والعملية للحركات الإسلامية في هذه الأيام .

فعند التعامل مع مسألة "الحجاب" مثلاً يخفى على الكثيرين أن بعض من لا يلتزمن به لا يفعلن ذلك على أن فعلهن يمثل حكم الإسلام ، أو أن هذا يمثل عندهن إرادة التحلل الخلقي والإباحية ، وإنما يكون ذلك بناءً على ما انبنت عليه التصورات والتجارب الشخصية . فلقد ارتبط الحجاب في مخيلة كثيرٍ من النساء بالقسر والجهل والخرافات ، بينما ارتبط التكشّفُ بالعلم والفعالية في الحياة . وكان السبب في هذا واقع المسلمين الذي غذّتهُ الدعاية الكاذبة والأفهام الخاطئة .

وإن الأَولى في مثل هذه الحالة أن يُنادى بأن تسترجع المرأة قدرتها وحقها في القيام بالمسؤوليات الاجتماعية التي حُجبت عنها ، وبأن تُبنى ثقة الناس بأنّ المرأة شريكةٌ كاملةٌ في المسؤولية من خلال الممارسات الحياتية اليومية الواقعية ، وليس فقط من خلال الخطب الرنانة التي يُكذِّبها الواقع للأسف ، والتي توحي بأن المسألة هي مسألةُ تسلطٍ إيديولوجي يختبأُ وراء الإسلام ليفرض أفهاماً خاصةً لأحكام الإسلام في مسائل الزي والمظهر الخارجي للإنسان على جميع المسلمين في كل زمانٍ ومكان .

إن جموع المسلمين تسمع شعار تطبيق الشريعة الإسلامية فتفهم منه تطبيق العدل والمساواة وانتشار الرِّفق والرحمة والتسامح ومنع الظلم والفساد والجور . والذين يصيبهم الرعب من ذلك الشعار (باستثناء عتاة المادية العلمانية الذين لا ينتمون ثقافياً إلى الحضارة الإسلامية ابتداءً) إنما يكون ذلك بسبب عدم مراعاة دعاوى تطبيق الشريعة للتجارب الشخصية والتصورات الثقافية الذاتية للناس والتي يمكن أن ينتج عنها مواقف وأعمال ربما يمكن استيعابها والتعامل معها من خلال روح الشريعة ومقاصدها العامة ، بينما تنتج الأزمات عند التعامل معها من خلال حرفية بعض الأحكام والقوانين .

وختاماً ، فلقد كان المراد من هذه الإشارات إثارة بعض الأسئلة العملية التي تغيب عن كثيرٍ من أصحاب العقلية الفقهية النصية والتي تقسم المسلمين على أنفسهم ، وتزيد من معاني الضنك والعسر في حياتهم وواقعهم .  ولم يكن المقصود بطبيعة الحال تهميش الشريعة الإسلامية ، وإنما الإشارة إلى خطورة عدم إدراك حاجة القانون إلى استصحاب الحيثيات ، وإلى الإشكالية التي يمكن أن تنجم عن قصر الشريعة على أحكامها دون روحها ومقاصدها العامة .