إن من أكثر الظواهر الفكرية سلبيةً ومدعاةً لسوء الفهم في ساحتنا
الثقافية والفكرية شيوع التفكير بطريقة "المتقابلات" و
"الثنائيات" . وتبعاً لهذه الطريقة فإن المُثقّفَ إما أن يكون
"مع" أمرٍ معين أو "ضدَّ" ذلك الأمر بناءً على ما فهمهُ من
يفكر بتلك الطريقة من محاضرةٍ أو مقالة أو كتابٍ لذلك المثقف . وبعد ذلك يعتمد مدى
"سرور" هؤلاء أو "امتعاضهم" على مدى مُطابقة ما فهموه من
إنتاج المثقف لرأيهم في ذلك الأمر المعين .
وواضحٌ أن هذا المنهج في التفكير يحتوي - وإن ضمنياً - على نصيبٍ
كبيرٍ من "الدكتاتورية" الفكرية فضلاً عن جرعةٍ مُبالَغٍ فيها من
الاعتداد والثقة بالنفس ... ذلك أن من يتبعُ مثل هذه الطريقة في التعامل مع
الإنتاج الثقافي والفكري للآخرين يفترضُ - وإن لم يُصرِّح بذلك - وجود نوعٍ من
الكمال الثقافي عنده ، وبشكلٍ تكون فيه آراؤهُ المرجع والمقياس لآراء الآخرين .
ولاشك أن مثل هذا الافتراض مخالفٌ لأبسط حقائق المعرفة في هذا العصر الذي اتسعت
فيه آفاق العلوم والاختصاصات بشكلٍ لم يعد معه مجالٌ لأحدٍ - مهما بلغ علمه وذكاؤه
- أن يدّعي الإحاطة بنصيبٍ من كل العلوم والمعارف، يمكِّنهُ من أن يكون رأيه
المرجع والمقياس ...
نقول هذا في معرض الحديث عن موقفنا من قضايا مهمةٍ وأساسية ضمن
إطار اهتمامات هذه الدورية والمركز الذي تصدر عنه ، وخاصةً الموقف من الغرب والعلم
والعقل وما إلى ذلك من القضايا . فنحن وإن كنا على يقين من أن الشريحة الكبرى من
قرائنا تنطلق من قراءة شاملة ودقيقة لإنتاجنا الثقافي، وبشكلٍ يعطيهم صورة متوازنة
لآراء من يقرؤون لهم ، إلا أننا نرغب في التأكيد على ضرورة تلك القراءة المتوازنة
والشاملة من خلال مثال واحدٍ في هذا المجال يتمثل في "الموقف من الغرب"
. ذلك أن ما يراه البعض ويفهمه على أنه "هجومٌ" على الغرب أو الحضارة
الغربية في بعض التحليلات العلمية للواقع الغربي المعاصر ، والتي وردت في الأعداد
السابقة ، هو أبعد ما يكون عن الواقع والمقصود من مثل تلك المقالات . وينطبق هذا
الأمر كذلك على ما يراه البعض ويفهمه - في طرحنا بشكلٍ عام - على أنه
"إعجابٌ" زائدٌ عن الحد أو "استلابٌ" بالآليات العلمية
والمنهجية الموجودة في الغرب ، وكذلك بكثيرٍ من مظاهر إنجازه المعتبرة سواء على
صعيد النظريات أو التطبيقات . وشعور البعض بـ "السرور" أو
"الامتعاض" من مثل هذه التحليلات إنما يعبر عن غيابٍ جزئيٍ أو كلّيٍ عن
قراءةٍ واعيةٍ للعالم والعصر ، وربما عن موقفٍ فكريٍ ونفسيٍ غير متوازن في مثل هذا
الأمر الذي لا يمكن - علمياً ولا منهجياً - التعامل معه بطريقة "مع" أو
"ضد" .
أما
موقفنا فإنه يتمثل في أنّ من الظلم لأمتنا - وهي في بداية طريقها لاستعادة دور
الشهادة على الناس - بل ومن الظلم للإنسانية جمعاء قبل ذلك أن يتم التعامل مع هذه
التجربة البشرية الضخمة ، أي تجربة الغرب المعاصرة ، بهذه الطريقة السطحية الساذجة
. وإن مجرد إدراك حقيقة كون هذه التجربة شامخةً في بعض مكوناتها ومظاهرها إلى عنان
السماء ، ومعبّرةً عن الطاقات العجيبة التي أودعها الخالق في الإنسان ، وكونها -
في نفس الوقت - منتكسةً في بعض مكوناتها ومظاهرها إلى دركٍ لم يشهد له التاريخ
مثيلاً ، إن مجرد إدراك تلك الحقيقة لَيدفعُ مَنْ يحترمُ كرامة الإنسان - أي إنسان
- ويهتم لمصيره ومستقبله أن يتجاوز تلك الثنائية في التفكير ، والتي يظن البعض انطلاقاً
منها الخير الكامل في الغرب مع وجودٍ لبعض الإشكاليات والسلبيات ، بينما يظن البعض
الآخر فيه الشر الكامل مع وجودٍ لبعض الحسنات والإيجابيات . هكذا بكل هذا التبسيط
البالغ عند الطرفين ، والذي لا يُرجى معه أملٌ - إن أصبح هو قاعدة الفهم والتعامل
- لا في فهم الغرب ، ولا في الاستفادة من حسناته ، ولا في تجاوز سيئاته ، ولا في
التعاون معه لبناء حضارة الحق والعدل والخير والجمال .
إن
في التجربة الغربية المعاصرة حجماً هائلاً من الإنجاز والعطاء والخير لا يمكن معه
-بحال - مجرد التفكير بتجاوزها عمليا وفلسفياً . وإن في التجربة الغربية المعاصرة
حجماً هائلاً من الارتكاس والشر لا يمكن معه - بحال - التفكير في التعامل معها
انطلاقاً من مجرد الشعارات التي تدعو إلى الانفتاح والعلم . وربما كان جمعُ
التجربة الغربية - في نفس الوقت - لإيجابياتٍ وسلبياتٍ صارخةٍ وواضحة ، ربما كان هو
السبب في عقلية "الثنائيات" التي تتوزعُ أبناء أمتنا عند التعامل معها
تبعاً لقدرة كل فرد على الرؤية والمتابعة والتحليل .
وما
من سبيلٍ لتجاوز هذه الأزمة - فيما نرى - سوى الانطلاق من أقدارٍ مقدرةٍ من
التواضع العلمي والتجرد التي تميز دوما أخلاق العلماء . ثم اعتماد قراءةٍ متوازنة
للغرب أياً كان مصدرها ، وذلك إذا امتلك أصحابها شرطين أساسيين: التخصص والقراءة
من الداخل ، فضلا عن الحد المطلوب من التجرد والإخلاص . وإذا كان المقصود بالتخصص
هنا بذل الجهد الأكاديمي والعلمي المتفرغ والمتطاول في حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية
، فإن المقصود من الإشارة إلى ضرورة القراءة من الداخل لا ينحصر في مجرد معنى
الوجود الجغرافي ، وإنما يشمل إمكانية المعايشة العلمية والعملية المتصاحبة
والمستمرة ، والتي تتيحُ الفرصة لفهم مدى التعقيد والعمق والتداخل والاتساع الذي
أصبحت عليه المنظومة الحضارية الغربية المعاصرة اليوم ، ومدى السرعة الهائلة
للتغيير المستمر فيها . الأمر الذي يجعل أي محاولة للقراءة أو المتابعة من الخارج
- مهما كانت مخلصةً وجديةً - قاصرةً بشكلٍ أو آخر عن تحقيق المطلوب ، سواء في رؤية
حقيقة حجم الإيجابيات أو السلبيات ، أو في الفهم الشامل المتكامل لتلك المنظومة .
لأن من الغالب على مثل تلك المتابعة أن تنحصر - لظروفٍ موضوعيةٍ علميةٍ وعملية -
إما في متابعةٍ مجتزأةٍ لآخر الصيحات أو الشعارات ، أو للتغطية الدعائية غبر
العلمية للعلم .
وكم
يود المرء لو تُتاحُ الفرصة الكافية لبعض من يهتم بهذه المسألة في شرقنا العربي
والإسلامي للإطلاع على حجم المعرفة المتداول خاصة في الأوساط العلمية والأكاديمية
، وعلى اتجاهات الاهتمامات والأفكار
وطبيعتها في هذه الأيام .
فلربما أدرك مَنْ يرفضُ الغرب - عند
ذاك - حجم الإيجابيات الموجودة فيه على جميع المستويات ، ولربما أدرك من يقفُ عند
شعارات الانفتاح على الغرب وقيمه حجم السلبيات التي يتم بحثها والحديث فيها
وتداولها ، بل والتصريح بافتقاد حلولٍ لها من داخل المنظومة بطبيعتها الراهنة .
ومثل تلك الأمور تُبحث على مختلف المستويات ، ولكن بالذات على مستوى طلاب الجامعات
... دون أن يُطالبهم أحدٌ بالانتظار حتى يُصبحوا في عداد "المشاهير"
فيكون ممكنا لهم عندها طرح مثل هذه القضايا والبحث والحوار فيها ...
إن
ما يغيب عن هؤلاء وأولئك أن طرحَ طالب العلم والمعرفة لما يراه ويتعلمه من الحقائق
أو المعطيات - بغض النظر عن رضى البعض أو غضبهم -إنما ينبثقُ من الأمانة التي
يحملها في عنقه ، تجاه أمته وتجاه الإنسانية قبل ذلك. كما ينبثق من جهده ليكون
مُتمثلاً وممثلاً - حقيقةً - لمعنى "الرحمة" المهداة إلى
"العالمين" . وعندما يكون الأمر منبثقا من مثل تلك المنطلقات النفسية
والعقدية الكبرى ، يصبح الأمر أكبر بكثير وأكثر جديةً من مجرد الرغبة في طرح كلامٍ
يروق لعموم المسلمين ليُشعرهم بالتعويض عن مكانهم الهامشي ، ويصبح كذلك أبعدَ ما
يكون عن العقلية التي يتمحورُ منهجُها حول إغفال ما في العالم أو المسارعة إلى
إدانته . بل يصبح - على العكس من ذلك - التكتُّمُ على ما يجري في الغرب من تطوراتٍ
إيجابية من ناحية ، ومن نقدٍ شديدٍ وأساسي للمنظومة الغربية نفسها من ناحية ثانية
، يُصبح هذا هو الغياب المُحزن والخطير عما يجري في هذا العالم . وبالتالي لا يعود
هناك مجالٌ لإخفاء بعض الحقائق وإظهار بعضها الآخر ، ولا يبقى هناك داعٍ لادّعاء
التواضع المتكلف أو الزائف . وإنما يصبح كل الهمّ أن يتّصف الطرح بشروط الموضوعية
والعلمية والتوازن ، وأن يكون الحوار ساحةً مفتوحةً للنقاش والنقد والمناصحة
والتصويب . كما أن من الضروري أن ينبثق التعامل مع أي طرح جديد من قراءةٍ متجردةٍ
وشاملةٍ للطرح من حيث منطلقاته وتفاصيله، بعيداً عن أي موقفٍ نفسيٍ أو فكريٍ مسبق
، وذلك بهدف الإفادة من الإضافات التي يحملها والآفاق التي يشير إليها ،
والاستفسار عما يبدو مشكلا إما لغموضٍ في الصياغة أو لنقصٍ في معلومات القارئ
نفسه، فضلا عن النقد والتصويب لما يمكن أن يحتاج في الطرح إلى نقد أو تصويب .
والأمر
الآخر الذي ربما يغيب عن هؤلاء وأولئك أيضا أن شرائح طلاب العلم والمعرفة ليسوا
بالضرورة جميعاً نُسخاً كربونية لنماذجَ أو مستويات تقليدية معينة تنتشر للأسف في
ساحاتنا الثقافية والعلمية ، يراها البعض - بقُصُورها وبجزئيةِ وعيها وتحصيلها -
فيحسبها المثال والنموذج الممثل لتلك الشرائح ، ويُعمم حكمه عليها في جميع
الاتجاهات . وتجاوز مثل هذه النظرة - التي تصعب رؤيتها أو الاعتراف بوجودها - لا
يمكن إلا باستعادة الثقة بقدرة هذه الأمة على العطاء وبقدرة عقيدتها الربانية على التوليد
. ثم بنوعٍ من السماحة التي تُذكّر الإنسان بتجربته المعينة أو تجربة السابقين
والمعاصرين من المتميزين ، وبأن مثل تلك التجارب قابلةٌ دائما وأبداً للتكرار -
بوجود الشروط الموضوعية المناسبة - وأنها ليست حالاتٍ نادرة في التاريخ .
* * *
إن
من المؤكد أن القارئ سيلاحظ نقلة في طبيعة مواد هذا العدد من حيث الحجم والمستوى .
والحقيقة أن هذا التنوع هو ما استقر عليه رأي القائمين على هذه الدورية في المرحلة
الراهنة ، بناءً على معطياتٍ علمية وعملية تتعلق بنوعية المساهمين في هذه المواد
ونوعية عطائهم فضلا عن نوعية القراء . وانطلاقاً من أننا أردنا لهذه الدورية منذ
البداية أن تكون ساحةً للتنوع الفكري والثقافي على جميع المستويات ، فإن هذه
النقلة تمثل خطوة - وإن لم تكن نهائية - باتجاه تحقيق ذلك الهدف . وكجزء من ذلك
التنوع يرى القارئ الكريم في هذا العدد مقالة تتجاوز العشرين صفحة ومقالة أخرى لا
تتجاوز ثلاث صفحات ، في محاولة - نرجو أن تكون موفقةً - لإظهار الطيف الواسع من
الأفكار والآفاق الذي يمكن أن يتعلق باهتمامات التوجه الفكري العام الذي نعتبر
أنفسنا في مركز دراسات الثقافة والحضارة جزءاً منه.
والأمر
الآخر الذي تجدر الإشارة إليه في معرض الحديث عن التنوع يتمثل في التذكير بأن ما
يرد في مواد العدد لا يعبر بالضرورة عن رأي المركز أو رأي القائمين على الدورية .
وإنما يرد فيها من باب كونها واحة حوار حرٍ ومفتوح لمن يهتمون جدياً بالمواضيع
التي تندرج في اهتمامات المركز والدورية. ورغم ذلك ، فإننا نرغب في التصريح بأننا
انسجاما مع فكرة الحوار المفتوح نرحب بكل التعليقات أو الأبحاث - المنهجية - التي
تُناقش كل ما ورد في هذا العدد أو غيره من الأعداد ، فضلاً عن أننا سنطلب بشكلٍ
مباشر من بعض المثقفين - من داخل المركز أو خارجه - الرد أو التعليق على بعض
الطروحات الجزئية أو الكلية التي نرى أن التعليق عليها أو تحليلها يمكن أن يزيد
الموضوع ثراءً وعمقا وتوضيحا في أذهان الجميع .
وختاما، فإننا نود التعبير عن امتناننا للدعم والاهتمام المتزايد الذي نلقاه من قرائنا الأعزاء في جميع المجالات . وما هذه النقلة الأولى في الإخراج إلا انعكاسٌ عن ذلك الدعم نرجو أن تتلوه مزيد من النقلات .