د.
عبد اللطيف الخياط
يبدو
أن المراكز الإسلامية المتقدمة المتفتحة ، رغم أنها تريد الإفادة من العلم ، إلا
أنها تبدأ سيرها بالتأكيد على أنه في مجال المنهج الأساسي أو النظام الأساسي فإنها
تستمد من الشريعة المنزلة . وهي لذلك تُحذّرُ من التهاون في هذا الأمر خشية أن تصبح مراكز علمانية مادية ، فيضيع بذلك هدفها
الأصلي وهو تحقيق حياة إسلامية صافية . ويتركز مثل هذا الطرح في أن بإمكاننا أن
نقتبس من غيرنا على مستويات أدنى من المنهج الأساسي ، أي على مستوى التنزيلات
والتطبيقات ، فهنا لا حرج في أن
تقتبس الحضارات بعضها من بعض ، ولكن بعد أن ينتبه أمناء الحضارة - كما ذكرنا - على
المحافظة على الهوية الأساسية للأمة ، لأن هذا هو مبرر وجودها ، وهو أيضا طريق
الخلاص في الدنيا والآخرة .
والغرض
من هذا المقال هو مناقشة بضع ملاحظات تتعلق بمثل ذلك المنهج :
ربما
على من يحاول رسم ذلك المنهج أن يتأمل قليلا كم بإمكانه أن يكون متميزا فعلا ، وكم
عليه أن يكون متميزا قبل ذلك . نستطيع
بالطبع أن نكون أبعد ما يكون عن الحضارة السائدة ، وهناك الكثيرون ممن
يسرهم أن يؤكدوا على نفورهم من تلك الحضارة ، سعيا منهم إلى التميز والأصالة .
ولكن من يفعل ذلك لا يفيد أمته - في رأيي - وإنما يزيد من تهميشها وبقائها في
نهاية ركب البشر .
إن
من الخطأ الكبير أن ننسى أننا كلما أخفقنا في أن نخاطب العالم بلغة مفهومة لديه
فإنه سيبقى يتحرك دون أن يأخذ رأينا ، وسيبقى يجرّنا وراءه سواء أردنا ذلك أم
أبيناه . إن ضخامة وأهمية الحاجة أن ندخل في عالم جديد تُقدَّمُ إلى أمتنا على
أنها خيانة . فنبقى في نفس تفكير الآباء الذي ورثناه ، وكأن هذا نهاية التفكير .
هذا مع أن القرآن الكريم يدعونا - من
ناحية - إلى أن لا نبقى متقيدين محصورين بما كان سائدا من تفكير من
قبلنا ، ويدعونا - من ناحية أخرى - إلى أن لا ننبذ ما هو سائد في أمم
أخرى على أنه دوما باطل ، وبذلك فإنه يدعونا إلى الحكم بالقسط والشهادة بالحق على
القريب والبعيد {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} (النساء:135) ، {وإذا قلتم فاعدلوا}
(الأنعام:152) ، {ولايجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى}
(المائدة:8) ، {ولاتبخسوا الناس أشياءهم} (الأعراف:85) . إنه لا فائدة في التعالي
على الناس إلا أن نبقى هامشيين وعالة على الناس ..
إن
هناك على العموم طريقتين في التفكير لإيجاد منهج إسلامي : طريقة إغفال ما في
العالم وكتابة المنهج وكأن العالم غير موجود ، وطريقة فهم ما في العالم حتى نكون
أكثر الناس فهما وأقدر الناس على أخذ الصواب ونبذ الخطأ ، ومعنا الكتاب والسنة
نستهدي بهديهما . ومع أن أي مسلم عاقل سيختار الطريق الثاني على أنه أقرب للصواب ،
إلا أنني أشعر - من الناحية الواقعية - أن إغفال ما في العالم والمسارعة إلى
إدانته لا يزال هو الذي يُشعرُ أكثر المسلمين بالأمان والنجاة . والذي أريد أن
أؤكد عليه - في هذا المجال - أن ارتفاعنا إلى أعلى مستوىً مما هو متوافر من
المعرفة البشرية أمر أساسي حتى يستحق كلامنا أن يكسب الاحترام بين ناشئتنا وفي
أعين الآخرين . فليرتفع مثقفونا إلى المستوى العلمي اللائق ، ثم ليقولوا ما يريدون
ولو كان يخالف ما يقوله غيرهم إلى أقصى الحدود ، ذلك أن من له قيمة في أي مكان من
هذا العالم لا تكون قيمته - ابتداءً - بأن يردد ما يقوله غيره . إلا أن الحقيقة
تقول أنه لم يعد يمكن الآن مخاطبة العالم بدون علم متين . ولا يفوتني - في هذا
الموضع بالذات - أن أعيد التأكيد على أنه لا فائدة في أن نقلل من فهمنا للقرآن
والسنة والتراث بينما نحاول متابعة المعرفة المنتشرة في العالم ، لأن كل ما نحققه حينئذ هو أن ننتقل من عرَجٍ
باليسار إلى عرجٍ باليمين .
إنه
ليس هناك ما يمنع أن يكون إنسانٌ من عالمنا أكثر أصالةً وفهما من مفكري العالم في
الغرب والشرق ، فهذا ممكن نظريا . ولكن هذا الأمر ليس هو الذي يحدث غالبا في هذه القرون الأخيرة . وعوضا عن ذلك ، فإن
المفكر فينا لا يتهيأ بما يكفي من
العلم ليشق طريقاً لم يُسبَق إليه ، وإنما يتحدث بكلامٍ يروق لعموم
المسلمين ، ويُشعرهم بالتعويض عن موقعهم الهامشي التبعي . وكثيرا ما نُدخل السرور
في قلوب الناس من حولنا بأن نُظهر لهم أننا مختلفون أشد الاختلاف عن الآخرين ، وأن
هؤلاء الآخرين يكادون يوشكون على الانهيار ، وكأن هذا هو أملنا حتى يعود لنا
مكاننا في العالم .
والحقيقة
أن هذا المريض ، هذا المسلم المنبوذ ، لا يفيده أن نخفي عنه الدواء ، وهذا الدواء
ليس سهلا ولا سريعا ، لأن تغيرنا من عاجزين عالة إلى فاعلين هو نقلة بعيدة جدا .
ولكن الله تعالى ييسر الطريق متى عُرفت التركيبات الصحيحة . ولذلك فإننا نحتاج إلى
مفكرين وباحثين أكثر عددا وأعلى نوعية مما هو موجود اليوم . ورغم أنه مرّ بنا رجال
ومفكرون لا بأس بحجمهم من أمثال مالك وإقبال وجودت ، إلا أن نقلتنا تحتاج إلى ألوف من الشباب المقبلين على هضم ما في العالم ،
وإلا بقوا يتحدثون بلغة تناسب عصرا آخر وعالما آخر . إننا نتفق جميعا على أن
التفكر في القرآن والسنة والتراث ضروري ضرورة الأكسجين للحياة ، ولكننا نعلم أنه
{وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} (ابراهيم:4) . ولذلك فلا بد لمن يريد أن
يتحدث إلى الناس أن يكون قد فهم وهضم الكثير من الكتب التي تنشر في العالم عن شؤونه وشجونه ، وأن تصبح لغة أمثال تلك الكتب والبحوث
واضحة بديهية حتى يكون في قمة التفكير المتاح في العالم ، وليس هذا بطبيعة الحال
تبعية وعبودية لغيرنا ، بل إنه - في رأيي - لا يحررنا غير ذلك من قيود التبعية
والعبودية .
إنني
أود أن يلاحظ شبابنا المثقفون أن أمام من يكتبون عن المنهج الإسلامي أحد خيارين :
فإما أن يكون جلّ همهم أن يخالفوا ما في العالم ، فيكون ما يكتبون غير مناسب
للعالم المعاصر ، أو أن يحاول أحدهم أن يعيش عصره حقا ، فيكون بحاجة إلى أن تكون
عينه على ما أُنجز في العالم بمقدار لا يقل عما يفهم من الكتاب والسنة والتراث .
وهكذا نرى الشيخ الغزالي - رحمه
الله - إذا وصف الشورى في ذلك الكتيب الصغير "أزمة الشورى في البلاد
الإسلامية" فإنه يصف شيئا لا يختلف عن الديمقراطية ، وإذا وصف أحدهم شؤون
المرأة باذلا جهده أن يكون كلامه مناسبا لهذا العصر ، فإنه يأخذ كثيرا من منجزات
النساء والرجال من خارج العالم الإسلامي ، وهكذا في حقوق الإنسان ، وهكذا في تغير
معنى قتل المرتد . وهناك اتجاه واضح للتخلي عن مفهوم : إما الإسلام أو الجزية أو
الحرب ، فكل مفكر له وزن صار يفكر اليوم بأن الطريقة إلى خطاب الأمم بالإسلام ليس
بأن نهددها بشن الحرب عليها . إن هناك مئات من التغييرات في تفكيرنا تحدث على
الدوام ، وليس المقصود من هذا الكلام أن
ننظر نظرة دونيةً إلى أنفسنا ، فقد كنا فوق ، وكان غيرنا أدنى منا ، وبعد جيل أو
جيلين ستكون أحوالنا غير ما هي عليه الآن . وواجب أمثالنا أن نزيل ما يمكن من
عقبات في الطريق ، لأننا سنبقى في
عقدتنا طالما نحن لا نشاطر العالم نشاطه العلمي .
إن
مصير العالم يرسمه منذ خمسة قرون أناس غير مسلمين وشعوب غير مسلمة . وقد اجتهدوا
وعملوا وسيطروا وأنجزوا ، وقد ملؤوا حياتنا من كل الجهات ، ولهذا فإن من غير
الممكن أن نتعالى على ما هو موجود . وإن منهجا لا يأخذ في حسابه ما صار متوافرا من
معرفة منهجٌ لا يستحق الحياة . وبالطبع فإنه لا حاجة كذلك إلى أن نكون عاجزين
متلقفين ببلاهة ، فقد تجاوزت أمم أخرى - مثل دول جنوب شرق آسيا - هذه الحاجة للأخذ
السلبي . بل إن هناك أفرادا مسلمين صار لهم فهم ومساهمة وتفكير ، ولكن لم يتحرك
التيار ولم تدر العجلة على مستوى واضح للعيان حتى الآن .
ولا
يعني هذا الكلام أن ما في العالم الآن هو النهاية ، فهو عالم مليء بالعيوب كذلك .
فقد قال المؤرخ البريطاني "توينبي" مثلا أن العصر الحديث انتكس إلى خلف
العصور الوسطى في قضية التعصب ، فقد
كانت أوربا في القرون الوسطى
متعصبة على أساس الدين ، وهذا أعلى - على المستوى الأخلاقي - من التعصب على أساس
العرق واللون ، وبينما لم يكن الأوربي الأبيض المسيحي يتكبر على الإفريقي المسيحي
في العصور الوسطى ، صار الآن العرق والمنطقة الجغرافية مجال التعصب . والخلاصة هنا
هي أنه لا أمل حتى لأذكى الأذكياء أن يتجاوز الواقع إلا بخطوة صغيرة .
حينما
يحاول المرء أن يستخلص من الكتاب والسنة ، فإن ما يصل إليه هو نظرته الخاصة إلى
القرآن والسنة . كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد أمرائه ما معناه :
إذا سألك أهل الحصن أن ينزلوا على
حكم الله ورسوله ، فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله ، وأنزلهم على حكمك ، فإنك لا
تدري تصيب فيهم حكم الله ورسوله أم لا . فأن تخطيء في حكمك ويُنسب الخطأ إليك أفضل
من أن يُنسب الخطأ إلى الكتاب والسنة . وهكذا ، عندما تدخل الآيات والأحاديث في
عقلنا يحدث لها عمليات ترتيب وانتقاء وفهم ، وتُعطى أوزاناً ترفع من هذا المعنى ،
وتُنزل من ذاك ، بأشكال لا حصر لها . ولا يمكن فهم هذه العملية إلا من خلال علوم
عديدة مثل الفلسفة وعلم نفس اللغة والسيميائية وغيرها . وهذه عملية كبرى حقا ،
وهناك متعة كبرى في كشفها .
إنه ليس من قصد القرآن أن يكون معناه نهائيا
لكل العقول لأنه وُجد لكل الأمم ولكل العصور . ولذلك فإن من المهم أن نلاحظ
أننا لا نجد منهجا أساسيا في الكتاب والسنة إلا بحسب تركيبنا العقلي والمعرفي .
وأنا شخصيا أعتقد أن القرآن والسنة لا يمنحاننا من كنوزهما إلا بمقدار اتساع فهمنا لآيات الآفاق والأنفس
. وحين يمسك أحدنا بالكتاب والسنة ليرسم منهجا إسلاميا فإنه لا يأتي خالي العقل .
إن عقله ليس إناء خاليا يملؤه من الكتاب والسنة ، فهذا أمر ليس له وجود . ولذلك
فإنني أجد من الخطأ أن يحاول أحد حينما يرسم خطه الأساسي اعتمادا على الكتاب
والسنة ، أن يحاول الفرار من الحضارات الأخرى أو العلوم الأخرى ظنا أن هذا سيجعل
خطته صافية . بل إنه كلما كان أغنى عقلاً بالحقائق المتوفرة في عصره ، جاء منهجه
أقرب إلى الصواب والتمكن . فالعقل الإسلامي الصافي ، بمعنى العقل المُستغني عن فهم
العلم المتوفر في العالم هو أضعف العقول وليس أصفاها . إن ما نراه في الكتاب والسنة
هو في الحقيقة انطباع لما نحمله نحن من تصورات حينما نُمسك بالكتاب والسنة . ولذلك
فإن على راسم كل منهج أن يتذكر هذه الحقائق ، وأن يتواضع ويعلم أنه مرحلة على
الطريق .
إن
رسم منهج هو أمر تقريبي جدا على كل حال . إنه يعتمد على معلومات كثيرة تحصل
بأيدينا بعد أن نساهم في صنع العالم وليس قبل ذلك . فليس للذين لا يساهمون في صنع
العالم مشكلة إلا مشكلة خمولهم . وإن أعظم منهج نضعه لهذه المرحلة هو أن نقذف
أعدادا لانهاية لها من الشباب في المجالات العلمية بكل قوة ، وخاصة في
مجال العلوم المتصلة
بالإنسان والمجتمع. إن هذا الشباب الفاتر الهمة من حولنا لا يفيدنا في شيء ، فهو
يدخل في البحث دون إيمان بقيمة عمله ، فيخرج كما دخل ، بل ربما أسوأ مما دخل، لأنه
حمل مقداراً من الغرور بأنه علم
شيئا ، فتوقف عن طلب المعرفة . فتغيّرنا رهينٌ في النهاية بعدد ونوعية المتخصصين .
إننا نحتاج إلى ألف مفكر كبير ، فنجد مفكرا أو اثنين لا بأس بهما ، وإننا نحتاج
إلى سيل من المتخصصين في المجالات الإنسانية والاجتماعية ممن لهم براعة وقدرة على
الإبداع والمنافسة ، فنجد عُشر العدد المطلوب ومن نوعيةٍ أقل مما يجب ، وكل هذا
يفسر ضعف تحركنا . ومن هنا ، فإن كل منهج يقرّبنا من مسابقة الأمم في الهمة
العلمية والبحث هو منهج ناجح ، وكل منهج يضعف من همتنا ويضع المخاوف في طريق
الباحثين هو منهج فاشل .
إن
محاولة وضع منهج بقصد الحماية لا يحمي المسلمين من الذوبان أمام غيرهم ، ولا
يحميهم تصميمهم على الاستقلال ، ولا يحميهم زيادة التقوى والتعهد بالبعد عن طرائق
الآخرين (دون أن يقلل هذا من أهمية العزم والتصميم والتقوى) . وإنما يحميهم أن
يكونوا أمام غيرهم على مستوى جيد من العلم يوازي من يقفون أمامه من أمم الأرض ،
بحيث يضطر من يسمعهم إلى أن يحترم معرفتهم ولو خالفهم أو حتى كرههم . إن هذا هو
الذي يحمينا من احتقار ناشئتنا لنا واتجاههم إلى غيرنا . إن كراهيتنا أمريكا أو
إعجابنا بها لا يحمينا ولا يحمي منهجنا . وليس موقفنا من هذه الأمم القوية موضوعا
مهماً، لأننا سنكون تبعا لها بمقدار ما نأكل على مائدتها في جميع الأحوال .
إن ظهور عقل كبير واحد أو اثنين في العالم الإسلامي لا يحمينا ، فأنت ترى كيف أن إقبالاً أو مالك بن نبي يمضي الواحد منهم ولا يظهر خلفه تيار حتى يكون هناك عِلمٌ قوي في الأمة . وإن المرء ليتساءل : كم عدد المشتغلين في أمتنا بالعلوم الإنسانية والاجتماعية ؟ وكم من هؤلاء لهم منافسة جيدة وآراء تستحق الاحترام بين الأمم ؟ وكم من "محمد الغزالي" لدينا ، وكم لدينا ممن هو أكبر منه ؟ إن بضعة نابغين لا يحملون أمةً بهذه الضخامة ، وهنا مكان العمل ومكان العزة والتوازن وأخذ المكانة بين البشر . فمهما كانت اتجاهاتنا نحو اليمين ونحو الشمال ، ومهما حاولنا الابتعاد عن أمم معينة ، أو الارتماء في أحضان أمم أخرى ، فإن هذا لا يحدد وضعنا . إن ما يحدد وضع أمتنا الآن هو قوة ما لدينا من المتخصصين ، وما هي نوعية الغذاء الفكري الذي يجري في عروق التحرك الإسلامي . وفي نظري ، فإن كل جهد آخر بعيد عن إيجاد هؤلاء المتخصصين هو عمل ثانوي إلى أبعد الدرجات .