يتألف هذا الكتاب من قسمين رئيسيين:
القسم الأول:
العدالة : المُثُل
القسم الثاني:
العدالة : الواقع
يدرس الكتاب مفهوم
العدالة نظرياً وتطبيقياً ، ويجري مقارنة للمفهوم الإسلامي للعدالة وتطبيقاته مع
نظيريه في اليهودية والنصرانية .
ويأمل المحررون أن
يلفتوا النظر إلى الوجهات والقراءات العديدة الموجودة ضمن المنظومة الإسلامية
وخاصة في مجال التطبيق العملي . و في هذا تحدٍ للقارئ بأن يكون متفتح الذهن ، يسمع
الرأي الآخر وإن لم يتفق معه أحيانا . و يمكن القول أن للكتاب هدفاً أكبر ألا وهو
تعريف الغرب بالإسلام وآفاقه العديدة وتطبيقاته المتنوعة .
إذا وضع القارئ في
ذهنه هذه الصورة الكلية فإنه سوف يجد محاولات جادة وجديدة لفهم الإسلام وعرضه على
المسلمين وغير المسلمين على حد سواء . وقد وفق الكتاب إلى حد ما في تحقيق ذلك
الهدف ، وإن لم تخل المحاولات من استنتاجات ربما يمكن القول بأنها متعسفة أو لا
داعي لها في بعض الأحيان .
ومن أهم الفصول في
الكتاب فصل الدكتورة نعمة برزنجي بعنوان "الخلافة والعدالة بين الجنسين في
الإسلام" ، وفيه تُنبه الدكتورة إلى نقاط عديدة إيجابية يغفلها أو يتغافل
عنها كثير من المسلمين . من أهم هذه النقاط أن إقامة الخلافة في الأرض (وهي جزء من
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) مفروضة على الرجل والمرأة على حد سواء . وأن
مسؤولية المرأة لا تقل عن مسؤولية الرجل في ذلك. فالله عز وجل يقول : {والمؤمنون
والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر...} ، ويقول :
{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر..} فالجنسين
خوطبا بنفس التكاليف وأُمرا نفس الأوامر بلا تفرقة أو تمييز . وهذه الآيات واضحة الدلالة
على ذلك .
أما الفصل الثاني
الذي أود الإشارة إليه فهو "الدعوة الإسلامية: العدالة الاجتماعية والواقعية
السياسية" للكاتبة "تامارا صن" . تامارا تنادي بما تسميه
"العلمانية الإسلامية" وترى أن الإسلام كان ممكنا عندما لم تكن
الأمة-دولة nation-state موجودة . ولذلك فالدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية لا يتناسب مع
واقع اليوم كما تؤكد الكاتبة .
ويعجبها "اليسار-الجديد" الذي يرى إمكانية تواجد العلمانية مع الدين في
العالم الإسلامي . وتستشهد بالقرامطة و بمفكرين معاصرين من أمثال جورج طرابيشي
وبندلي الجوزي ، بالإضافة إلى سياسي مثل خالد محي الدين لتدعم رأيها .
أقول أولا : إن
مصطلح "العلمانية الإسلامية" فيه تناقض عضوي ذاتي . فَزَعْمُ الكاتبة أن
العلمانية هي ليست ضد الدين قد يكون صحيحا في حالتين : (1) إذا كان الحديث عن دين
غير الإسلام . أما الإسلام كمنهج ونظام عام وكامل وشامل للحياة كما يفهمه معظم
المسلمين فلا يمكن أن يصطلح مع العلمانية التي تريد أن تعزله أو تحصره في مجال
الشعائر التعبدية فقط ، حتى ولو أحسنا الظن بها . أو (2) إذا كان تعريفها
للعلمانية يفرغها من مضمونها المتعارف عليه ، وفي هذه الحالة فلا نعتقد أن هناك داعيا
لاستخدام مصطلح العلمانية في هذا المجال .
ثانياً : إننا نعتقد
أن الحديث عن اليسار-الجديد عند الكاتبة يندرج في إطار الطرح الفكري الماركسي
واليساري الذي لا يزال موجودا بقوة في عالم الأكاديميا الغربية ، ونأمل أن لا يكون
حديثا عن التطبيقات الشيوعية العملية التي أفلست وتحطمت في معظم أرجاء العالم ..
ورغم كون معالم ذلك الفكر اليساري الجديد تمثل منهجا نقديا حادا للنموذج الليبرالي
الغربي ، وتُستعمل لذلك من قبل كثير من المفكرين الغربيين وغيرهم لنقض هذا النموذج
، إلا أننا نعتقد أن هذا لا يمثل بالنسبة لنا كمسلمين غير تأكيدٍ للإشكالية
الأصيلة التي تتمثل في ازدواجية عدم فهم المنظومة الإسلامية من ناحية ، ومحاولات
الاستعارة المتكررة من هذا الجانب أو ذاك من ناحية أخرى ..
لقد أصبح من
البدهيات اليوم أن واقع المسلمين في كثير من جوانب الحياة - وخاصة منها ما يتعلق
بدور المرأة وأحكامها - لا يعبر بحالٍ من الأحوال عن أصالة الإسلام في تلك الجوانب
، وحريٌ بالمفكرين من المسلمين والمسلمات - قبل غيرهم - أن يكونوا أول من يعي تلك
الحقيقة ، بحيث يكون ذلك الوعي دافعا للعودة إلى الينابيع المنهجية الأصيلة في فهم
الدين ، بغية استلهام فهم مغاير وأصيل له ، يلفظ العادات والتقاليد المتراكمة على
الأفهام والممارسات ، ويُظهرُ حقيقة موقف الإسلام منها ، وكيف يكون ذلك الموقف
محققا لأكبر مقامات الكرامة والتقدير والإنسانية للرجل والمرأة على حد سواء .
لاسيما وأن هناك محاولات جادة في هذا المجال نأمل أن تستفيد منها الكاتبة الكريمة
وغيرها من أصحاب الاهتمام .
تبقى ملاحظة تتمثل
في الإيجابية التي يمكن أن تنتج عن تحرير كتاب يشترك فيه مجموعة كتاب ، وهي عادة
نأمل أن تنتشر في أوساط الكتابة باللغة العربية ، لأنها تمثل تنوعا ثريا يحمل
مجموعة من وجهات النظر المختلفة حول الموضوع الواحد بين دفتي كتاب واحد . الأمر
الذي يغني البحث في ذلك الموضوع إلى درجة كبيرة ، ويعطي القراء فرصة الإطلاع على
مجموعة آراء بشكل مباشر ، بعيدا عن طرح رأي وحيد في موضوع من المواضيع ، ربما لا
يتمكن القارئ من رؤية ما يخالفه أو يضيف عليه إلا في كتاب آخر ، وهو مالا يمكن
ضمان حصوله على الدوام .
هذه بعض الملاحظات
التي أحببت أن أشارك القارئ فيها ، ولكنها لا تغني عن قراءة الكتاب نفسه.
*Islamic Identity and the
Struggle for Justice
Edited by: Nimat
Hafez Barazangi, M. Raquibuz Zaman, and Omar Afzal
University Press of Florida, 1996