ما
هو الغرب ابتداءً ؟ ..
تُعتبر
النظرة إلى الغرب والموقف منه أمرا من أشد الأمور حساسية في حياة العرب والمسلمين
اليوم . فالناس في هذا منقسمون بين مُبغِضٍ كارِهْ وبين عاشقٍ وَلْهان . والمشكلة
أن اتخاذ موقف ما من هذا (الغرب) يبدو أمرا لا مفر منه - ولو كان على الصعيد
النفسي - لدى كل إنسان عربي ومسلم . سواء كان ذلك بسبب المركزية الغربية الطاغية
في العالم في هذا العصر ، أو بسبب التدخل والتداخل المباشر أو غير المباشر من قبل
الغرب في كثير من شؤون المنطقة وشجونها على مر السنوات الطويلة الماضية .
ويزيد
الإشكالية تعقيدا أن تلك المواقف - أيا كانت طبيعتها - غالبا ما تُتخذ بناء على
قراءةٍ سطحية أو مجتزأة أو منفعلة أو مستعجلة للغرب ، حتى في الدوائر المتعددة -
الرسمية والشعبية - التي تتعاطى الشأن العام والتي يُفترض فيها أن تتجاوز تلك
الحالة العقلية . بينما الأصل أن يكون الفهم الشمولي والدراسة المتأنية المدخل إلى
اتخاذ المواقف . وفقا للقاعدة المنهجية التي تؤكد أن "الحكم على الشيء فرعٌ
عن تصوره" . وبمقدار كون ذلك التصور ضبابيا وقاصرا يأتي الحكم عليه حاملا
لنسبة موازية من الضبابية والقصور .
من هنا ، فالغاية من
هذا الباب هي المساهمة في ترشيد قراءتنا كعرب وكمسلمين للغرب و تعميق فهمنا له ،
وذلك من خلال معالجة بعض المواضيع ذات العلاقة بهذا الموضوع على مختلف المستويات .
ونبدأ
هذه الحلقة بالسؤال / العنوان : ما هو الغرب ابتداءً ؟ .. وعن أي غرب يتحدث
المتحدثون عندما ترد الإشارة إلى (الغرب) في الحوارات والمناقشات و التحليلات ؟
إن
أي إجابةٍ متعجلة للسؤال تفترض ضمنيا أن ذلك (الغرب) يمثل وحدةً عضوية متلاحمة
ومتجانسة على جميع المستويات الثقافية والاقتصادية والعرقية والأخلاقية والسياسية
والاجتماعية .. وبأن كل ما يصدر عنه - بدءا من القرارات السياسية مرورا بالإنتاج
السينمائي الكثيف وانتهاء بآخر صيحات الأزياء - إنما يصدر عن تلك الوحدة المتجانسة
ويحوز على القبول الإجماعي لكل عناصرها . والحقيقة أن هذه الرؤية هي أبعد ما تكون
عن الحقيقة والواقع .
وإذا
تحدثنا عن الولايات المتحدة مثالا فإن لنا أن نؤكد أن (الغرب) ليس هو طبقة
السياسيين المحترفين ذات التأثير المباشر والظاهر ، وليس هو طبقة رجال المال
والأعمال ذات التأثير الكامن والمستتر ، وليس هو طبقة الإعلاميين من أهل الصحافة
والتلفاز ، وليس هو طبقة الفنانين على اختلاف مهنهم وتخصصاتهم ، وليس هو طبقة الأكاديميين الضخمة
المنتشرة في آلاف المدارس و الجامعات و المراكز العلمية ، وليس هو طبقة الجماعات
العديدة من دعاة حقوق الإنسان والحيوان والحفاظ على الطبيعة ، و ليس هو طبقة مراكز
الضغط السياسي المتنوعة ، وليس هو النقابات الضخمة ، وليس هو الجماعات النسوية ...
وعلى
صعيد آخر فليس (الغرب) هو الأمريكيين البيض ذوي الأصول الأوربية ، ولا السود ذوي
الأصول الأفريقية ، ولا (الهسبانيك) ذوي الأصول اللاتينية ، و لا الصينيين
والكوريين واليابانيين ذوي الأصول الآسيوية ، ولا الهنود الحمر من سكان البلاد
الأصليين ، ولا العرب أو الأتراك أو الإيرانيون ...
وكذلك
فإن (الغرب) ليس البروتستانت ، ولا الكاثوليك ، ولا الأرثوذكس ، ولا اليهود ، ولا
البوذيون ، ولا المسلمون ، ولا الهندوس ، ولا السيخ ، ولا عبَدَةَ الشيطان ، ولا
الملاحدة من كل نوع وجنس ولون ..
وأخيرا
فليس (الغرب) هو الحفنة من أصحاب المليارات ، و لا الملايين من الأغنياء ، ولا
عشرات الملايين من أبناء الطبقة الوسطى ، ولا الملايين من الذين يعيشون على الكفاف
، ولا الملايين من الفقراء ، ولا مئات الآلاف من المدقعين المعدمين الذين يعيشون
في الشوارع والمجاري والحدائق العامة ..
وإنما
(الغرب) - في مثالنا الأمريكي هذا - هو ذلك الواقع العجيب والهائل والمتشابك الذي
ينتج عن تفاعل حركة ونشاط كل هذه الشرائح وغيرها ، وهو واقع معقد ومتداخل إلى أبعد
الدرجات .. بل ربما كان دقيقاً أكثر القول بأن كل شريحة من الشرائح السابقة تحوي
طيفا واسعا من درجات الخصوصية والتنوع و الانتماء ..
فكيف
نفهم مثل هذا الواقع المعقد ؟ وما هي المداخل التي يمكن لنا من خلالها أن نقرأ هذه
المنظومة المعقدة قراءة تضمن الحد الأدنى المعقول من الدقة والصواب ؟
قبل
الإجابة على هذا السؤال ربما كان من المناسب أن نستقرئ بشكل عابر المداخل التي
يعتمدها الكثيرون من أبناء العرب والمسلمين في قراءة (الغرب) وفهمه والحكم عليه ،
مع إشارة عابرة إلى الإشكاليات التي تكمن في كل مدخل من تلك المداخل ، وتشوه فهمنا
للغرب بطريقة أو بأخرى .
1. الانطباعات
التي تتكون من الأفلام و المسلسلات و البرامج الإعلامية المتنوعة : ويغلب عليها
السطحية والاجتزاء والمبالغة في كثير من الأمور .
2. التعليقات
والتحليلات (الرسمية) التي تصدر عن الحكومات والدول فيما يخص النظرة إلى الغرب
والموقف منه : ويغلب عليها الدعاية السياسية الهادفة إلى إقناع الجماهير بالموقف
الرسمي من (الغرب) ، سواء في اتجاه التعاون والتعايش أو في اتجاه العداوة والخصومة
.
3. ردود
الفعل النفسية والفكرية الشعبية على السياسات والقرارات التي تصدر من (الغرب)
والتي تخص المنطقة وأبناءها : ويغلب عليها الانفعالية والعاطفية ، وتتعلق باتخاذ
موقف أكثر منها بمحاولة الفهم المجرد والمحايد .
4. قراءة
ومتابعة ترجمات الإنتاج الغربي على الصعيد الفكري والثقافي : ويغلب عليها أن تتعلق
بشرائح المثقفين الضيقة للأسف ، كما أن من غير الممكن لحركة الترجمة فيها أن تواكب
سيل الإنتاج الفكري والثقافي بأي درجة من الدرجات .
5. قراءة
و متابعة للإنتاج الغربي بلغاته الأصلية : و يصدق على هذا المدخل ما يصدق على
المدخل السابق من حيث تعلقه بالمثقفين من جهة ، ومن جهة محدودية القدرة على متابعة
الإنتاج من ناحية ثانية لظروف موضوعية واضحة عديدة .
ومن
الواضح في مجمل الحالات السابقة أن فهم الغرب انطلاقا من تلك المداخل لن يكون
علميا ولا عميقا ولا شاملا ، وإنما سيكون مصبوغا بِنِسَبِ التحيز - المقصودة أو
غير المقصودة - الموجودة في تلك المداخل . فضلا عن أنه سيكون محدودا بحدودها الضيقة
التي تقصر عن الإحاطة بظاهرة واسعة مثل (الغرب) هي في غاية التداخل والتعقيد ،
وذلك لأن هذه المداخل تعالج جانبا واحدا من جوانب هذه الظاهرة في أحسن الأحوال ،
ولا تملك الإشارة إلى كثير من الجوانب الأخرى .
وحتى
بالنسبة للشريحة من العرب والمسلمين المقيمين في الغرب ، فإن عوائق كثيرة مادية
ومعنوية تحد من قدرتهم على القراءة المطلوبة ، وليس أقلها ذلك الضغط الهائل
الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي تعيش الجاليات تحته ، وهي تحاول
تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة على مستوى الأفراد أو التجمعات على حد سواء .
وهو ضغط يعرف طبيعته كل من عاش في الغرب ..
هذا
فضلا عن الضغط الحضاري العام الذي تعيش أبناء هذه الجاليات في فضائه المباشر ،
والذي يؤثر على رؤيتها وتقييمها لظواهر هذه المنظومة الحضارية وإفرازاتها . فتأتي
محاولات البعض لفهم المنظومة وتحليلها من خلال بعض التجارب الذاتية الخاصة في مكان
العمل أو السكن غايةً في السذاجة والبساطة . ثم تأتي التعميمات التي يستخلصها ذلك
البعض - بعد ذلك - ويحاول أن يصبغ بها مجمل المنظومة أبعد ما تكون عن الواقع وأقرب
ما تكون إلى الأوهام .
والأمر
الذي ينبغي أن يدركه أولئك أن التجارب الخاصة والخبرات التاريخية والمعايشة
المستمرة للغرب لا يمكن لها - مهما كانت طويلة - أن تُفرز بالضرورة فهما صحيحا
ومتوازنا له ، إلا إذا امتلك المرء
أولا : قدرة متميزة على إدراك المنطلقات الفلسفية الأساسية الكامنة خلف
الظواهر الخارجية ، وثانيا : قدرة على إدراك طبيعة ترابط وتداخل تلك المنطلقات
والظواهر على حد سواء .
وسنضرب
فيما يلي مثالا - نقصد أن يكون مفصلا - على الفارق الممكن بين نظرتين ، إحداهما لا
تمتلك الشروط السابقة ، والأخرى تمتلكها . وذلك في موضوع مألوف لدى أغلب الناس ،
متمثلا في مهنة الطب - في الولايات المتحدة - وماله علاقة بها من مجالات العمل
والنشاط الأخرى .
فالنظرة
الأولى غالبا ما تقتصر على رؤية مدى (الإنجاز) الذي أحرزه هذا المجال في خدمة
الإنسان - و هو إنجازٌ حقيقي لا ينكره أحد - و على الإعجاب بدرجة التنظيم
والمتابعة ، و حجم الاكتشافات المتتالية في مختلف ميادينه و فروعه - خاصة في بلد
مثل الولايات المتحدة .
أما
النظرة الثانية فإنها لا تتوقف عند حدود هذه الرؤية - و إن كانت تستصحبها - بل
تتجاوز ذلك إلى التساؤل في أسباب فقدان مهنة الطب - في غالب الأحوال - لروحها
المتمثلة في تلك العلاقة الإنسانية الحميمة التي تنشأ بين الطبيب والمريض ، والتي
تدفع الطبيب إلى محاولة الإحاطة بمختلف الظروف النفسية والاجتماعية التي تحيط
بمريضه ، عبر حوارات دافئة وأسئلة متنوعة ، يمكن له من خلالها فهم خلفية المرض
وأبعاده الحقيقية ، والتي يجب أن يبدأ العلاج الحقيقي منها ، بل ربما يقف عندها في
كثير من الأحيان .
والحال
أن مثل تلك الروح مفتقدة إلى حد بعيد اليوم . يعرف هذا تماما كل من يعيش في الغرب
و يتعامل مع قطاع الصحة و الطبابة فيه لأي سبب من الأسباب . ولا يشذ عن هذه
القاعدة إلا القليل من الأطباء الذين ربما يحملون بقايا من روح المهنة الأصلية ،
أو من أولئك المهاجرين منهم و الذين لا يزالون متأثرين بثقافتهم العرقية السابقة -
الشرقية في معظم الحالات .
ما
هو السبب في هذه الظاهرة ؟ هنا يأتي دور الشرط الأول المتمثل في فهم المنطلقات
الأساسية لهذه المنظومة .. التي تضغط بقوة هائلة باتجاه تحويل كل نشاط بشري في
المجتمع إلى صناعة (industry) .. صناعة محركها الأساس
و الحقيقي هو المزيد من (الربح) و المزيد من (البيع) والمزيد من (الاستهلاك) ..
بغض النظر عن العناوين واللافتات التي تحمل المعاني الإنسانية و الأخلاقية الجميلة
..
وهي
بالفعل صناعة هائلة ، تقف من خلفها شركات الأدوية الضخمة ، وشركات التأمين الصحي
العملاقة ، وشركات الأدوات والأجهزة الطبية المتعددة ، و شبكات المستشفيات الكبرى
، وشركات الخدمات الصحية المساندة ، وجمعيات ونقابات الأطباء ذات التأثير الواسع ،
والمجلات الطبية المشهورة .. ومن خلف هؤلاء يأتي أخطبوط المحامين ووكالات الإعلان
وشركات الأغذية التي تساهم جميعا في هذه (الصناعة) الهائلة ، وتنتظر نصيبها من
(كعكتها) الضخمة ..
وبَدَهيٌ
في وسط أجواء التنافس والصراع الشرس بين هذه الجهات أن تضيع تلك (الروح) التي
تحدثنا عنها في مهنة الطب ، وأن لايبقى للأطباء فسحة من الوقت لمثل تلك الطريقة
(البدائية) ، و أن تصبح مهمةُ غالبهم - ولا نقول جميعهم - مجرد نظرةٍ آلية و سريعة
إلى الأعراض الخارجية الظاهرة لا تكون نتيجتها إلا وصفاتٍ طبية مليئة بالحبوب و
السوائل الكيميائية ، فضلا عن التحاليل و الفحوص المخبرية و تصاوير الأشعة
المتنوعة التي لايعلم أحد غير الله مقدار الحاجة الحقيقية إليها .. و تصبح العلاقة
بين المريض والطبيب ميكانيكية بحتة أقرب إلى العلاقة بين السيارة و الفني الذي
يعمل على إصلاحها ، و يصبح البشر المراجعون في المستشفيات والعيادات مجموعة من
أرقام الملفات الصحية ، يوضع كل منهم في غرفة صغيرة منفصلة بعد أن تقوم الممرضات
بعملية تجهيز آلية لهم (الضغط .. الحرارة .. الأدوية الحساسة ..) ، ثم ليأتي بعد
ذلك الطبيب متنقلا بسرعة بين غرفة و أخرى في دقائق معدودة تضمن أقصى أنواع
الفعالية والإنجاز ..
وعلى
هذا الطريق يتم فرز وإعادة فرز مجموعات مختلفة من الأعراض تحت عناوين جديدة ،
وتبدأ أمراض عديدة وجديدة في الظهور - خاصة على صعيد الطب النفسي - وتظهر معها
بطبيعة الحال أدوية جديدة وأجهزة جديدة وخدمات جديدة وبرامج صحية جديدة ومقالات
جديدة .. وتستمر عجلة هذه (الصناعة) (المهمة للاقتصاد الوطني) في الدوران والإنتاج
..
ثم
يأتي دور الشرط الثاني المتمثل في فهم ترابط المنطلقات الأساسية وترابط الإفرازات
الناتجة عنها لتكتمل عملية الفهم في هذا المجال . وهنا يصبح التساؤل عن طبيعة
الأخلاقيات والقيم التي تبدأ في الظهور مع اشتداد عمليات التنافس والمضاربة ، التي
تميز أسلوب الحياة والعمل في أوساط تلك (الصناعة) . وهل تَنتجُ هذه الأخلاقيات من
تلك الأجواء بحيث يجب أن تكون متناسبة مع قوانينها حتى يستمر العمل والنمو
والإنتاج ، أم أن هناك مقاييس أخلاقية أساسية تحكُمُ طرق التعامل فيها . وإذا كانت
تلك المجموعة من الأخلاق الأساسية موجودة ، ماذا يحصل عندما تتضارب هذه الأخلاق مع
قوانين السوق والتجارة والأعمال السائدة عند معظم المشاركين الأساسيين في هذه
(الصناعة) .
ومن
جهة أخرى يطغى الشك وتغلب الريبة على كثيرٍ من (الدراسات العلمية) المتناقضة
والمتضاربة ذات العلاقة بالموضوع الواحد داءً كان أو دواءً ، ويمتد التساؤل إلى
الآثار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للارتفاع الهائل في التكاليف الصحية ، ثم
إلى مدى صوابية البرامج السياسية التي لاتسمح فقط باستمرار مجمل هذه الإشكاليات ،
بل غالبا ما تؤكد على تجذيرها وتعميقها بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال شبكات
المصالح الضيقة والمتداخلة لمجموعات محدودة من رجال السياسة والمال والأعمال
والإعلام ..
وهكذا
نستطيع أن نرى حجم الامتدادات التي يمكن أن يأخذنا إليها التحليل الشمولي للظواهر
، والذي لا يتوقف عند الشكل الخارجي لها .
وكما
ذكرنا سابقا فقد كان هذا التفصيل في المثال مقصودا بغية الإشارة بشكل عملي إلى حجم
التعقيد الموجود عندما يتعلق الأمر بفهم (الغرب) من الخارج أو من الداخل .
وأخطر
ما نريد الإشارة إليه هو الاختلاف الكبير الذي سيترتب - بعد ذلك -على التباين بين
هاتين النظرتين ، عندما يحاول الأفراد وتحاول الجماعات والدول ممارسة عمليات
الاقتباس والاستعارة من النماذج الأخرى فيما يتعلق بالأنظمة والبرامج والخدمات في
مختلف المجالات . فهنا تظهر المفارقة بين عملية (نقلٍ ونسخٍ) ناتجة عن قراءة
خارجية وسريعة يغلب عليها أن تنقل المنظومة كما هي عليه بكل ما تحويه من أدوية
وسموم ، وبين عملية (استفادةٍ) من تلك المنظومة تنبثق من عملياتٍ متطاولة من
الاستقراء والتحليل والدراسة لها ، وذلك بغية ابتكار أنظمة وبرامج وخدمات (أصيلة)
تنبع من ذاتية الثقافة وذاتية الحاجات ، وتتواصل مع تجارب الآخرين ، وتحقق الخير
والنفع الحقيقي للناس .
إن
من غير الممكن لإنسان ذو عقل أن يرفض المنجزات التقنية من الأجهزة والأدوات ذات
الاستخدام الطبي التي تزيد من قدرة الإنسان على معرفة علله وأدوائه ، أو أن يرفض
بعض التنظيمات الإدارية التي تساعد على التغلب على الروتين في هذا المجال بالذات
وتزيد من الفعالية والقدرة والسرعة في التعامل مع المريض في مختلف أنواع مرضه ..
فليست المشكلة في هذه الأمور على الإطلاق . وإنما تكمن - كما ذكرنا أعلاه - في
خلفيات هذه الأمور وارتباطاتها وامتداداتها . ولذلك فإن ذلك الإنسان العاقل يرفض
أن يقتبس وينسخ تلك المنظومة كما هي عليه ، لأنه لا يريد أن ينشئ (صناعةً) للطب
متعددة الشركاء تحكمها روح (التنافس) الشرس بين لاعبين هدفهم الأول والأساس
(الربح) .. ولأنه لا يريد أن يصل إلى مستوىً من الخدمة الطبية هو الأعلى في العالم
، ولكن لا تستفيد منه - في جميع أبعاده - سوى حفنةٌ من الناس ، بينما عشرات
الملايين يفتقدون إلى أدنى حد ممكن من تلك الخدمة ، كما هو الحال عليه في الولايات
المتحدة ..
إن
خطورة وأولوية عملية (الفهم) للغرب تتمثل في أنها دائما الخطوة السابقة للتعامل
معه على جميع المستويات . الأمر الذي يعني أن تلك العملية يجب أن تكون على مستوى
متقدم من الشمول والعلمية والمنهجية ، إذا أردنا أن يكون ذلك التعامل صحيا
وإيجابيا ومستمرا في اتجاه تحقيق سعادة الإنسان في كل زمان ومكان .