في تحرير العلاقة بين مستقبل الفرد ومستقبل الأمة

ملاحظات حول التخصص (2 من 2)

وائل مرزا

بدأنا الحديث في العدد الماضي عن مجموعة من الأسباب والعوامل النفسية والاجتماعية والفكرية التي تقف حائلا في وجه انطلاق جموع الشباب من أبناء الأمة لاقتحام فروع تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية . وفي هذا العدد نكمل الحديث في مجموعة أخرى من تلك الأسباب والعوامل .

4) عدم القدرة على رؤية الجزء من الكل وعلى رؤية ترابط الظواهر :

فكثيٌر من أبناء الأمة يعجزُ عن رؤية الدور والأثر الذي يمكن أن ينتج عن العمل في بعض التخصصات الاجتماعية أو الإنسانية ، حيث يبدو لهم أن ذلك الدور أو الأثر بسيطٌ وهامشي ولا يتصف على الإطلاق بالخطورة والحساسية . والمشكلة أن هذا الأمر يمثل علامةً أخرى من علامات غيابنا عن هذا العصر وهذا العالم . ذلك أن رؤية أهمية وخطورة مثل هذه التخصصات يتطلب آفاقاً ممتدةً خلف حدود الزمان والمكان ، وبصيرةً نفاذةً تُدرك أن الأثر الفعلي لهذه التوجهات إنما هو أثر تراكميٌ طويل المدى ، و إن لم يكن مباشرا و ظاهرا للعيان . فلقد أصبح تداخُلُ شؤون الحياة من أكثر الظواهر تمييزاً لعصرنا وعالمنا ، و إن الظن بأن السياسة فقط هي محرك الحياة الاجتماعية ، أو بأن الصناعة والهندسة لا علاقة لها بالأخلاق والقيم ، أو بأن عالَم الاقتصاد محصورٌ فقط في الأرقام و المعادلات .. إن مثل تلك الظنون هي أبعد ما تكون عن الحقيقة و الواقع . و المشكلة أن فهم ذلك التداخل والتشابك في العلاقات يُعتبر مقدمةَ الاستعادة الحضارية المأمولة ، وأن مثل ذلك الفهم يُعتبر - بدوره - مستحيلا دون امتلاك زمام جميع تلك التخصصات و العلوم والفنون ، ودون اجتماع المتخصصين وتكامل أدوارهم ، وصدورهم في ذلك كله عن فقهٍ عميق وشامل لمقاصد وأصول منظومتهم الحضارية الخاصة .

وإن من المستبعد أن يدرك أبناء الأمة حساسيةَ دور هذه التخصصات في مستقبلها ما لم تُطرح مثل هذه الآفاق على مسامعهم ، وتكون مجالا لدراساتٍ وحوارات طويلة وعميقة وشاملة الأبعاد .

5) افتقاد العقلية الاقتحامية والخوف من الجديد :

إن غلبة صفة التقليد والمحاكاة يُعتبر سمةً من سمات الأمم التي أصابها الجمود الحضاري . وهذا واقع أمتنا اليوم ، فحتى في القرارات الخاصة بطريقة الحياة الشخصية ومجال العمل و الاختصاص ، تجدُ المرء من أبناء الأمة يستسهلُ ويختارُ طرق الأبواب المطروقة من قبل ، ودخول المجالات المسبوقة من الآخرين .. بينما يستصعبُ ارتيادَ الجديد أو غير المألوف في هذه المجالات . ومعالجةُ هذه العقلية المتمكِّنة تحتاج إلى تدريبٍ إراديٍ ومِرانٍ متواصل يَزرعُ - خاصةً في أبناء الجيل الجديد - الرغبةَ في ارتياد وكشف المجهول من العوالم والآفاق ، والقناعةَ بإمكانيةِ اختراق الحواجز النفسية المصطنعة ، التي تحيطُ ببعض تلك العوالم ، وتوحي باستحالةِ قدرتنا على فهمها والتعامل معها .

إن عقلية الخوف والجزع هي عقلية القوم الذين دعاهم نبيهم موسى عليه السلام إلى دخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم ، فأبوا ذلك إلا في حال خروج القوم الجبارين منها ، ورفضوا منطق الاقتحام المتوكل الواعي الذي يؤدي إلى الفوز والنصر والغلبة . وهو منطق ومنهج المؤمن الذي يعلم من ربه مالا يعلمه الناس ، فيعلم منه ضمان الحصول على الحكمة والفقه والعلم والدراية جزاء العمل والإخلاص ، ويعلم منه حقيقة الهداية إلى السبيل جزاء الجهاد فيه .. ولأنه يعلم ذلك فإنه يسير في مُلْكِ الله الواسع على هذه الأرض ، واثق الخطوات ، رابط الجأش ، يطرق الأبواب المغلقة ، ويرتادُ المساحات المهجورة ، "يُسْلِمُها" لله ، وينفض عنها غبار الجهل والجاهلية والشرود عن المنهج ، ويعيدُ إليها رونقها وبهاءها الأصيل ، ودورها في تحقيق الحق والعدل وفي نشر الخير والجمال بين الناس في هذه الحياة .

إن العقلية الاقتحامية المتوكلة تحتاج إلى صفاتٍ خاصة ، وهي نتاجُ منهجٍ في التربية يجب أن يشيع في أوساط الأمة اليوم  ، لأنها عقليةٌ تَليقُ بطاقاتِ و إمكاناتِ شرائحَ كبرى من أبناء هذه الأمة التي لا تُعوزها الطاقات و لا الإمكانات . صحيحٌ أن تلك الشرائح ربما تتحمل قسطا من المعاناة والتضحية ، يكون دوما نصيب الطلائع الأولى ، التي تستكشفُ الأرض وتُمهدُ الطريق وتواجه المجهول ، وكثيرا ما يمكن أن تُجرِّب وأن تتنقل بين الخطأ والصواب ، ولكن عزاءَها وهي تأملُ في أن تنال مقام السابقين الذين نفروا "غرباء" عزاءٌ كبير وعظيم ، تصغرُ معه كل المتاعب وتهون تجاهه جميع التضحيات .

6) عدم إدراك أهمية توزيع الأدوار والوظائف وتكاملها :

إن من الواضح أن  من الشروط الأساسية لحل إشكالية التخصصات في العلوم الإنسانية والاجتماعية ، إدراكُ شرائحَ واعية في الأمة لخطورة عملية توزيع الأدوار والوظائف ، وقيامُهم بأدوارهم المعينة انطلاقا من ذلك الفهم . وبهذا  يمكن تشجيع مزيد من الأعداد على التوجه باتجاه تلك التخصصات ، بحيث لا تقتصر على أفرادٍ معدودين لهم خصوصيةٌ معينة . ففي هذه المرحلة المبكرة على وجه التحديد ، لا يمكن تكوين وتطوير الأقنية والمؤسسات والوسائل لتأكيد ذلك التوجه ، إلا عبر تسخيرِ طاقاتٍ مُقدرةٍ تدعمُ رموزَهُ وبرامجه في كل موقعٍ وفي كل مجال . وبشكلٍ يتجاوز الأطر والأشكال التقليدية التي ثَبَتَ عدمُ جدواها و قلة فعاليتها في تمكينِ المشاريع الطموحة من العطاء والاستمرار . وحبذا لو تَنتشِرُ وتُناقش في هذا المقام فكرة المؤسسات التخصصية المتنوعة التي تخدمُ بعضَهَا -كُلٌ في مجاله - والتي لابد منها على كل حال في المراحل المتقدمة ، لكي يمكن تجميع المتخصصين في تلك العلوم الاجتماعية في مراكز أبحاث ومجموعات عملٍ جدية ، بعيدة عن أجواء البيروقراطية والتوظيف السياسي المباشر ، تستوعب طاقاتهم و مواهبهم ، و توجه أبحاثهم بحيث ينتج منها عملٌ على أرض الواقع عبر المؤسسات الأهلية المتنوعة التي تنتشر في المجتمع ، بُغية خدمة شرائحه المختلفة على كل صعيد .

7) افتقاد الطموح الحقيقي وشيوع عقلية الاستصغار :

إن من معالم ثقافتنا السائدة ذلك الانخفاض المستمر في سقف طموحات أبنائنا وبناتنا من شباب هذه الأمة . إن الحلم بالحصول على مهنةٍ تُؤمِّنُ للإنسان دخلا معقولا ، يُعينه على تشكيل أسرة ورعايتها ، وعلى أن يحيا حياةً هادئةً ومستقرة ، حلمٌ مشروعٌ وطبيعي ، بل إنه المقبول و المطلوب من عامة الناس ... أما أن يصبح هذا الأمر - بكل معانيه و امتداداته - غاية المنى ونهاية المطاف لكل أبناء وبنات هذا الجيل ، فإنه يعني افتقادَ النماذج الفذة والخاصة التي تُشعلُ شرارةَ الإلهام وتكسر قيود الإِلْفِ والعادة ، وتكتب السطور الأولى في صفحات التاريخ ، وترسم حركتُها الخطوةَ الأولى والحاسمة في رحلة قيام الدول والحضارات . إن هذه النماذج - باختصار - هي مُحرِّكُ التغيير في الأمة . وحيث أنها تنطلق في حركتها من رفضها لسلبيات الواقع ، فإن طموحها إلى التغيير يدفعها إلى الانطلاق في هذا العالم بحثاً عن عوالمَ وآفاق جديدة ، تكونُ عوناً لها في مسيرتها الحساسة تلك .

وفضلا عن افتقاد الطموح ، تأتي عقدة الاستصغار المتحكمة في أمتنا عن وعيٍ منها أو عن غير وعي ، لتُشكِّل عائقاً إضافيا في وجهِ مشاعر الطموح والعزيمة التي يجب أن يمتلكها أبناء هذا الجيل . فلقد تراكمت - بأثر المفارقة بين واقعتا وواقع العالم من حولنا - تداعياتُ تلك العقدة حتى أصبحت الأمة - في أعماق الثقافة السائدة ، ولو لم يُعترف بذلك - ترى أبناءها وبناتها أصغرَ من أن يقوموا بمشاريع  أو أدوار كبرى في مختلف مجالات الحياة ، وأصبح هؤلاء الأبناء والبنات يستصغرون أنفسهم بدورهم ، ولا يرون في أنفسهم سوى القدرة على القيام بأدوار ثانويةٍ تقليدية مكرورةٍ لا نصيب فيها لذلك الطموح الواعي المتوكل المجاهد الذي كان يميز العظماء والأفذاذ من أسلافنا على مر العصور ، و الذين عبَّرَ عن منهجهم ابن الجوزي وهو يقول  :" .. و ينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما  يمكنه ، فلو كان يُتصور للآدميِّ صُعود السماوات لرأيت من أقبح النقائص رِضاهُ بالأرض .." !.. ويقول في مقام آخر :".. و لو أمكنك عبور كل أحدٍ من العلماء و الزهاد فافعل ، فإنهم كانوا رجالا وأنت رجل .. و في الجملة لا [يجب أن] يترك [الواحد] فضيلةً يُمكن تحصيلها إلا حصَّلها ، فإن القنوع حالة الأرذال !.. وما قَعدَ من قَعدَ إلا لِدناءة الهمة وخساستها .." !!..

  هذا بينما تبدأ كثيٌر من المشاريع الكبرى في كل مجالٍ عند أهل الحضارات الأخرى على يد شبابٍ يافعين ، أو فتياتٍ في ربيع العمر ، ليس عندهم سلاح غير العلم والعمل والجهد والإتقان ، ولا وقود لديهم سوى الطموح ، ولا هدف لهم سوى (النجاح) في هذه الدنيا ..

إن تربية أبناء أمتنا على الطموحات الكبرى ، و زرعَ مشاعر العزيمة و الهمة في أعماقهم ، وإن إعلان الحرب على عقدة الاستصغار لدى كبار هذه الأمة وصغارها ، إنما يمثل مفرقاً أساسيا وخطيرا في إحداثِ النقلة النفسية المطلوبة بشكل عام في هذه المرحلة ، وبشكل خاص في عملية توجُّه أبناء الجيل في اتجاه التخصصات الحساسة في هذا العصر وفي هذا العالم .

من هنا ، فإن التركيز على مثل هذه القيم في مناهجنا التربوية ، أصبح حاجةً وضرورةً ملحة . بدلا من التركيز على مجموعةٍ من القيم - المطلوبة في ذاتها - ولكن الاقتصار عليها أصبح يُنتج أجيالا من (الطيبين) ، وربما (الدراويش) الذين لا تصلح (عُدتهم) ولا يكفي (عتادهم) لحملِ أمانةٍ بهذه الخطورة ، ولا لمواجهة عالمٍ بهذا التعقيد ..

وأخيرا ، فإن هذا الطرح لا يهدف إلى استقصاء وحصر أسباب الأزمة (التخصصية) و آثارها السلبية في حاضرنا و مستقبلنا ، بقدر ما يرمي إلى الإشارة إلى مجموعةٍ من العوامل الشخصية أو الجماعية التي تؤدي إلى استمرار تلك الأزمة. وواضحٌ أن تلك العوامل إنما هي نتاجُ بعض سلبيات ثقافتنا ومنهج التفكير والحياة والتربية لدينا . إن من المستبعد أن يتخذ فردٌ ، سواء كان الأب أو الأم أو المعلم أو الابن والبنت قراراً بالتوجه نحو تخصصٍ حساسٍ معين غير مألوف ، إذا ما وجدت فيه صفةٌ من تلك التي تحدثنا فيها قبل قليل ، أما إذا ما اجتمعت فيه كل تلك الصفات ، رغم كل نيته الطيبة وصلاحه الشخصي ، فإن الاحتمال باتخاذ مثل ذلك القرار يصبح معدوما في جميع الأحوال . وهذا في حد ذاته مثالٌ على علاقة أزمة الفكر والتربية في أمتنا بحاضرها المؤلم ومستقبلها المأمول .

ختاما ، وحتى نمارس ماندعو إليه ، ويدعو إليه الكثيرون ، من ضرورة الانتقال من طرح المبادئ إلى طرح البرامج ، ولو في أصغر صورها الممكنة ، فإن موضوع تنوع التخصصات و آفاقها المحتملة  يمثلُ جانبا أساسياً من جوانب اهتمام مركزنا ، مركز دراسات الثقافة والحضارة ، الأمر الذي يجعل في مقدورنا تقديمَ استشارات علميةٍ نأمل أن تكون متميزة في هذا المجال لكل من يرغب في ذلك أو يسأل عنه . وإننا لعلى ثقة أن مثل هذا التواصل بين أبناء الأمة في مختلف مواقعهم ، إنما يمثل السبيل إلى امتداد مساحات الوعي والمعرفة في حياتنا الفكرية والعملية ، وأن ذلك الامتداد إنما يرسم الخطوة الأولى المطلوبة في مراحل التغيير والاستدراك والاستعادة الحضارية .