أضواء على المصطلح
إن الإدراك العميق لدلالات بعض المفاهيم
والمصطلحات أولا ، ثم الاتفاق على حدٍ أدنى من معاني تلك المصطلحات ، يمهد السبيل
لحوار فعال ومنتج حول الكثير من الأفكار والطروحات ذات العلاقة بتلك المصطلحات. من
هنا تأتي هذه الزاوية لتساهم في تسليط أضواء توضيحية على كثير من المصطلحات
والمفاهيم المستخدمة في عالم الفكر والحركة اليوم..وخاصة منها تلك التي ترد في
أدبيات مركزنا هذا وإصداراته ، لابهدف تحديد التعريف الجامع المانع ، فليس هذا
موقع ذلك التحديد الذي يحتاج الوصول إليه جهدا علميا جماعيا متكامل الاختصاصات ،
وإنما الهدف أن يكون حوارنا في هذه المصطلحات المدخل الصحي إلى ما سواه من
الطروحات والأفكار. مع الإشارة إلى أن بعض هذه الإشارات ستُطرح بمنهج مقارن
يُلمِحُ إلى الفارق في تعريف المصطلح بين حضارتين: الحضارة الغربية والحضارة
الإسلامية.
التقدم والتخلف
لا توجد أي مشكلة في استعمال مصطلح التقدم بشكل مجرد في
اللغة العربية . بل إن للكلمة إيحاءا نفسيا إيجابيا مرغوبا ومحببا إلى النفوس .
ذلك أن معناها يشير إلى الانتقال من موقع معين إلى موقع متقدم عليه ، ويصدق هذا
على الشؤون المادية والمعنوية على حد سواء . والمهم هنا أن "المقياس"
الذي نقيس بواسطة وحداته مقدار التقدم من عدمه هو مقياس أصيل وذاتي ناتج عن
المنظومة الثقافية العربية الإسلامية ومنسجم معها غاية الانسجام . أي أن المقياس
يحمل ما يمكن أن نرمز له بـ "جنسية" الحضارة ، وليس غريبا أو شاذا عنها
.
إلا أن الإشكالية الكبرى تبدأ في الظهور عند استخدام
المصطلح فيما له علاقة بقضايا التنمية وتحسين الأوضاع الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية للمجتمعات العربية والإسلامية . فهنا يفقد "المقياس"
المستخدم لقياس مدى "التخلف" أصالته وذاتيته ، ويصبح القياس في كل مجالات
الحياة قياسا إلى الغرب وما وصل إليه في هذه المجالات . وبهذا تصبح الديمقراطية
القائمة على تعدد الأحزاب النموذج المثالي للنظام السياسي ، ويصبح الاقتصاد الحر
القائم على التنافس النموذج المثالي للنظام الاقتصادي ، وتصبح الحرية الفردية
المطلقة والتمحور حول الفرد النموذج المثالي للنظام الاجتماعي .. وهكذا ..
وبذلك يصبح اقتراب أي أمة أو حضارة أخرى من تلك النماذج
"تقدما" يحمل معه مجمل صفات الإيجابية والرضا والنجاح ، بينما يصبح
ابتعادها عن تلك النماذج "تخلفا" يحمل معه مجمل صفات السلبية والسخط
والفشل . ولاتعود تلك النماذج مجرد "نماذج" تعبر عن محاولاتٍ بشرية لأهل
حضارة من الحضارات - هي هنا حضارة الغرب - بل تصبح هي "النماذج"
النهائية التي يجب بعدها أن تُرفع الأقلام وتجف الصحف . فلا تبقى هناك مهمة لأبناء
باقي الحضارات سوى محاولة اللحاق بذلك الركب الإجباري المسلط عليهم كالقضاء المحتوم
. ولا يعود هناك داعٍ لأي محاولات بشرية مغايرة ربما تسلك طرقا أخرى وتنتج نماذج
مختلفة في شتى مجالات الحياة .
وواضح أن ما يزيد الإشكالية تعقيدا هو حجم وضجيج الإنتاج
المادي الهائل الذي أنتجته الحضارة الغربية ، فهذا الحجم وذلك الضجيج لهما من قوة
التأثير والضغط على المشاعر والعقول ما يصعب معه الانتباه إلى السلبيات الكامنة في
المنطلقات ، أو توقع السلبيات التي لا تظهر إلا عبر التراكم مع مرور السنوات .
وكمثال بسيط على هذه المعاني يطرح بعض المفكرين المفارقة
المتمثلة في التعامل مع "البارود" على مر التاريخ . فرغم أن هذه المادة
كانت معروفة منذ مئات وربما آلاف السنين لدى الحضارات الأخرى (وخاصة الحضارة
الصينية) ، ورغم أنها كانت تستخدم في أمور متنوعة مثل الاحتفالات و المهرجانات ،
غير أنها لم تستعمل وسيلةً للتدمير إلا على يد الحضارة الغربية عندما تعرفت عليها
بعد ذلك بكثير . واليوم ، يُعتبر - عمليا - حجم ونوعية القوة العسكرية للدول
مقياسا من مقاييس التقدم والسيطرة . فها نحن هنا بإزاء أسلوبين مختلفين في التعامل
مع ظاهرة من ظواهر الحياة ، ربما يكون الأول منهما (استخدام البارود للاحتفال)
أكثر أمنا وسلاما وتحقيقا لخير الإنسان وسعادته ، إلا أن الضجيج الذي رافق الأسلوب
الثاني (استخدام البارود للتدمير) طغى على الأفهام والعقول ، وبهر الأبصار ، فصار
هو الأصل الذي تقاس إليه باقي الأساليب .
والأمر الآخر الذي يزيد في تعقيد القضية هو الفهم الخاطئ
لمثل هذا النقد والتحليل الذي نطرحه في هذه الكلمات . وذلك حين يحسب البعض في
هذه الرؤية دعوة للانقطاع الحضاري التام والمفاصلة الناجزة مع الغرب على كل مستوى
، ومحاولة إعادة بناء حضارة من نقطة الصفر دون استصحاب لحصيلة التجربة البشرية
الغنية في كل مكان بما فيه الغرب . أو يحسب فيها رفضا شاملا للمنجزات المادية التي
حققت رفاهية الإنسان و زادت من قدراته و إمكاناته . والحقيقة أن مثل تلك الظنون هي
أبعد ما تكون عن تحليلنا السابق . بل إن المقصود من ذلك التحليل هو عكس ذلك
تماما ، فهذه دعوة إلى إعادة فتح الباب واسعا أمام إسهام "عالمي" حقيقي
متنوع وشامل في إيجاد الحلول للأزمات التي يشعر بها الإنسان في كل مكان ، وخاصة في
الغرب قبل أي مكان آخر ، بعد أن اقتصر ذلك الإسهام اليوم على أبناء حضارة واحدة ،
وزهد الجميع فيما يمكن أن يكون عند باقي الحضارات من إضافات جذرية وعميقة .
إن من المقاييس أو المؤشرات "العلمية" المستخدمة
في الدراسات لقياس درجة "التقدم" لدى بلد من البلدان : نسبة السكان في
المدن ، حجم وسائل الاتصال والإعلام ، حجم شبكة المواصلات .. وغيرها .. والسؤال
الذي يتبادر إلى الذهن : ماذا يفعل بلد صغير المساحة ، محدودٌ في عدد السكان ،
تجاه مثل هذه المؤشرات حتى يُحسب في عداد البلدان المتقدمة ؟ وهل يجب عليه أن
يتلبس أمورا ليس في حاجة إليها حتى يدخل في خانة "التقدم" العتيدة ؟
وبالتالي يدفع السكان من الريف باتجاه المدينة ، ويقيم شبكة ضخمة من وسائل الاتصال
، و يبني شبكة مواصلات هائلة من الطرق السريعة وما إليها .. أم أن من الواضح أن
هذه المؤشرات تنطبق على بلدان واسعة المساحة ، كثيفةٍ في عدد السكان ، إلى درجة لا
يمكن معها الحركة والبناء دون مثل تلك الشبكات .. وهل يبقى البلد
"متخلفا" إذا لم يحقق تلك المؤشرات رغم وجود شبكات تقليدية من الاتصال
والمواصلات تؤدي الغرض المطلوب ؟
إن الغرض من طرح مثل هذه الأسئلة ليس محاولة إيجاد
الجواب المباشر عليها ، بقدر ما هو الإشارة إلى الإشكاليات التي يمكن أن تنجم - في
عمليات التنمية -من "استيراد" المقاييس من خصوصيات الحضارات الأخرى ،
ومحاولة استخدامها حرفيا لتكون الحَكَمَ فيما له علاقة بخصوصيات الحضارة العربية
الإسلامية .
ختاما ، لا ننكر أننا اليوم "متخلفون" للغاية
، إلا أن هذا "التخلف" إنما هو نسبة إلى ما يمكن أن نكون عليه من
"تقدم" إذا امتلكنا القدرة على فهم خصوصيتنا الحضارية واستخراج عوامل
تميزنا الثقافي الكامنة في الإسلام ، ثم امتلكنا القدرة على الانفتاح وعلى فهم
العالم من حولنا - بما فيه الغرب وحضارته - بعيدا عن تقليد أعمى فاقد الهوية
والذات هو في حقيقته قمة "التخلف" بأي مقياس من المقاييس .