إلى أن نلتقي ..

ابن المقفع

هذه نافذة مفتوحة على الشعر والفن والأدب ، ومساحة حرة للحوار الخفيف . نخاطب المثقفين و القراء من خلالها ، و نفتح الباب لمن يرغب منهم في الحوار حول باقة منوعة من الشؤون والشجون ، عبر الرموز والتشابيه والاستعارات حينا ، وعبر المباشرة والتعيين أحيانا . وكل ما نرجوه منها أن تتنوع مستويات خطابنا وتتعدد "موجاتُهُ" بشكل يجعل أجهزة الاستقبال عند قرائنا جميعا قادرة على التقاطه في جميع الأحوال..  

قصتان من أمريكا ..

القصة الأولى / الحِدَادْ : دخل الشاب الصغير عمر الألفي إلى مدرسته في يوم من أيام شهر أيار/مايو الماضي . كانت هذه مدرسة من أكبر وأهم المدارس في المدينة .. وكان طلابها خليطا بشريا متنوعا .. لكن ما يجمعهم جميعا كان الانتماء إلى الطبقة (العليا) من المجتمع .. وكان كل من يتخرج من هذه المدرسة جزءاً من الشريحة التي تمسك بمقاليد الأمور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلد ..

وعلى غير العادة هذه المرة ، سمع همسا يدور من حوله ، وهمهمات يتناقلها أصدقاؤه .. أطرق عمر قليلا وهو يحاول أن يعرف ما الخبر .. لكنه لم يلبث أن التفت إلى معلمته وقد بدأت درس اليوم ثم غاب معها فيما تقول ..

وفي فترة الاستراحة .. عرف ما الخبر .. فقد كان الهمس يدور حول التفجيرات الانتحارية التي حصلت في القدس في اليوم السابق .. وقبل أن يتحدث مع أحد حول الموضوع .. سمع نداءً من المذياع العام في المدرسة يأمر جميع الطلاب والطالبات بالاجتماع في الساحة العامة .. وهناك أعلنت المديرة أن الجميع سيقفون دقيقة صمت حدادا على أرواح القتلى في عمليات القدس ..

وقف عمر مع الجميع في احترام وهدوء .. وكان الموقف مؤثرا ومهيبا .. ويمثل مشاركة إنسانية بحتة مع مشاعر مجموعة بشرية على بعد آلاف الأميال تشعر بالحزن والألم ..

عاد عمر إلى البيت .. ومضت الأيام .. وتصاعدت الأحداث في تلك المنطقة البعيدة مرة أخرى .. ثم لم تلبث وسائل الإعلام الأمريكية أن تنقل في يوم من الأيام قصة مجزرة بشرية في (قانا) في جنوب لبنان بكل صورها وتفاصيلها الرهيبة..

ذهب عمر في اليوم التالي إلى المدرسة .. لكنه لم يسمع هذه المرة أي همس أو همهمة .. سأل بعض أصدقائه مازحا : هل رأيتم وسمعتم أخبار البارحة ؟ .. أجاب الجميع بنعم واستفاضوا في شرح هول الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام.. انتظر عمر في فترة الاستراحة الأولى .. وفي فترة الاستراحة الثانية .. فلم يحدث شيء كان يتوقع حدوثه .. وانتظر وانتظر .. حتى قارب موعد الانصراف من المدرسة .. فقرر أن يتحرك ..

ذهب مباشرة إلى مكتب المديرة وسألها : هل سمعت أخبار البارحة يا سيدتي ؟ نظرت المديرة إليه .. وسكتت قليلا قبل أن تجيب .. فقد شعرت في أعماقها أين سيتجه الحديث .. ثم قالت : نعم يا عمر .. سمعت .. فقال عمر : حسنا .. سؤال آخر لو سمحت .. قالت : تفضل .. فقال : أمازلنا كما كنتِ تعلميننا دائما دعاةً لحقوق الإنسان وحريته وكرامته أينما كان .. أم تغير شيء في هذه الأمور في الأيام الأخيرة ولم أعلم به ؟ .. قالت : كلا .. أبدا .. لم يتغير شيء على الإطلاق .. فقال عمر وكأنه يحدث نفسه بصوتٍ عالٍ وهو لا ينظر في اتجاه المديرة هذه المرة : إذا قُتل عشرون في القدس وقفنا دقيقة صمت احتراما لمشاعرهم ولإنسانيتنا .. أما إذا قُتل مئة في جنوب لبنان لم نفكر بشيء من هذا أبدا .. ما السبب يا ترى ؟ .. ثم أردف قائلا وهو يحدق في عيون المديرة بقوة الآن : آه .. عرفت .. لابد أن هذه المئة التي قتلت كانت من الخنازير أو أي نوع آخر من الحيوانات .. ولكن .. نحن نحزن حتى لموت الحيوانات هنا .. لا .. لا .. لابد أنها كانت نوعا من الحشرات التافهة الصغيرة الـ .. ولم تستطع المديرة أن تحتمل فصاحت : عمر .. رجاءً .. كفى .. كفى ..

وفي هذه الأثناء كان جرس نهاية الدوام يدوي في جميع أنحاء المدرسة .. فهرعت المديرة إلى المذياع العام وأعلنت بصوت متهدج أن الانصراف سيتأخر بضع دقائق .. وطالبت جميع من في المدرسة بالاجتماع في الساحة العامة فورا .. وهناك بدأت تتحدث - وسط استغراب الجميع - عن أحداث البارحة وعن مشاركة الإنسان لآلام أخيه الإنسان أينام كان .. ثم طالبت بالوقوف دقيقة صمت حداد على أرواح قتلى جنوب لبنان ......

القصة الثانية / صقيع الغربة : استيقظ أحمد صباحا على ألمٍ شديد في المعدة .. كان مصابا بالقرحة .. فعلم أن هذه نوبة من نوباتها .. لكنه تحامل على نفسه وهو يساعد زوجه على تجهيز الأطفال للذهاب إلى المدرسة .. فصار يلاعبهم - كالعادة - لعبة النشيط والكسول ليستفزهم على الهمة والنشاط ..

غادرت الزوجة والأطفال إلى المدرسة بعد قليل .. لكن الألم لم يغادره .. بل صار يتصاعد إلى درجة كبيرة .. فكَّر فيمن يتصل به من الأصدقاء طلبا للمساعدة فلم يجد .. (يالصقيع الغربة) .. كان صديقه الوحيد القريب من منزله في جامعته اليوم والجامعة على بعد مئة ميل .... (الألم يشتد) .. فكر في الاتصال بالإسعاف لكنه تذكر كم يكرهُ أن يُؤخذ محمولا على حمالةٍ من منزله وسط زعيق سيارة الإسعاف وأضوائها ونظرات الجيران الفضولية الباردة .. (الألم يشتد) .. اتصل بالمستشفى فطلبوا منه الحضور إلى العناية العاجلة مادام يستطيع ذلك ..

ومرة أخرى تحامل على نفسه وقاد سيارته حتى وصل إلى المستشفى .. دخل وهو ينحني كزاوية قائمة من شدة الألم .. سأله موظف الاستقبال ببرود : ما المشكلة ؟ نوبة قرحة .. حسنا أجاب الموظف ثم سأل : هل معك بطاقة التأمين الصحي ؟ نعم .. فقال الموظف : اذهب إلى قسم العناية العاجلة في آخر هذا الممر !! .. وصل إلى القسم بجهد جهيد .. فسألته الممرضة : ما المشكلة ؟ نوبة قرحة .. معك بطاقة التأمين الصحي ؟.. نعم .. أعطني إياها وتفضل انتظر هناك لو سمحت .. لكن الألم شديد ..قال .. رجاءً أريد مساعدة .. فقالت ببرود : حسنا .. حسنا .. اهدأ يا سيدي .. بعد قليل ستأتي الممرضة ، تفضل واجلس هناك ..

ومرت دقائق كأنها الدهر .. ثم نادى صوت : السيد أحمد .. فأومأ برأسه .. فقالت له ممرضة أخرى : تفضل معي إلى هذه الغرفة .. وفي الغرفة : معك بطاقة التأمين الصحي ؟ .. نعم .. أوه .. لا .. إنها لا تزال عند ممرضة الاستقبال ..حسنا .. حسنا .. لا تهتم .. قالت .. ما المشكلة : نوبة قرحة شديدة ..وبعد استجواب مطول .. ماذا أكلت .. ماذا شربت .. هل تأخذ أدوية .. هل عندك مشاكل صحية أخرى .. قالت : سيراك الطبيب في عيادة الطوارئ . هل معك أحد يساعدك على الذهاب ؟ لا .. (يا لصقيع الغربة) .. حسنا .. تفضل اجلس هناك وسيأتي من يساعدك على الذهاب إليه .. (الألم لا يزال شديدا) ..

وأخيرا وصل إلى عيادة السيد الطبيب على كرسي متنقل .. لم ينظر إليه الطبيب وإنما قال لمن يدفع الكرسي : سرير رقم اثنان .. وُضع على السرير .. ثم جاءت الممرضة : ما المشكلة يا سيد أحمد ؟ نوبة قرحة (للمرة المليون قالها) .. سحبت الممرضة دما للفحص .. فحصت الضغط ودرجة الحرارة .. ثم غابت .. وبعد دقائق جاء الطبيب : صباح الخير يا سيد أحمد ، ما المشكلة اليوم ؟.. نوبة قرحة .. فحص الطبيب موضع معدته وفحص جسمه ثم قال : سوف نرسلك لأخذ صور الأشعة الآن .. جاءت الممرضة بكيس من السائل المغذي وعلقته على طرف السرير ثم أدخلت الإبرة في يده ومضت .. 

وبعد قليل جاء أحدهم وبدأ يدفع سريره باتجاه غرفة الأشعة .. وهناك رَكَنَهُ في جانب الممر أمام الغرفة وقال لمن فيها : أحضرتُهُ .. ثم غاب .. وطال الانتظار .. واشتد الصقيع .. كان الجو باردا .. وكان السرير جلديا قاسيا وباردا .. وكانت وجوه الناس وهي تمر في الممر باردة وكأنها اعتادت على هذا الصقيع .. (يا لهذا الصقيع الذي يلف الدنيا اليوم) ..

كادت دمعة تترقرق في عينه أن تسيل .. وفي تلك اللحظة .. تذكَّر كل شيء .. تذكر عدد الرشاد الذي يوشك على الصدور .. وتذكر المركز .. وتذكر كتاباته .. وتذكر مشاريع المستقبل وآماله .. وتذكر إخوةً له على البعد يعلم أنهم لم ينسوه في يوم من الأيام .. ثم تذكر .. تذكر قصة صديقه الصغير عمر الألفي .. تذكر كل ذلك .. فبدأت الحرارة تدب في أوصاله شيئا فشيئا ..

وفجأة صحا على صوت طبيب الأشعة يقول له : حسنا يا سيد أحمد .. سوف أقوم بأخذ عدة صور .. ولكن يجب أن تخلع قميصك وتلبس هذا الثوب الخاص .. ولكن لحظة .. الجو بارد جدا هنا ويبدو أن أحدهم رفع درجة التكييف فوق اللازم .. أليس كذلك .. عن إذنك لحظة .. سوف أخفض درجة التكييف .. لم يجبه أحمد .. لأنه كان لا يشعر أصلا بالبرودة أو الصقيع .. فقد كانت الحرارة تملأ كيانه إلى أبعد الدرجات .......