وقفات مع التراث
قال أبو زيد الدبوسي الحنفي (المتوفي سنة 430 للهجرة) في
كتابه (تقويم الأدلة) : "أصل التقليد باطل لأن الله رد على الكفرة
احتجاجهم باتباع الآباء من غير نظر واستدلال ، والمقلد في حاصل أمره ملحق نفسه
بالبهائم في اتباع الأولاد والأمهات مناهجها بدون تمييز ... وكان الناس في
الصدر الأول - أعني الصحابة والتابعين والصالحين رضوان الله عليهم - يبنون أمرهم
على الحجة ، فكانوا يأخذون بالكتاب ثم بالسنة ثم بأقوال من بعد رسول الله صلى الله
عليه وسلم مما يصح بالحجة" .
قال ابن حزم : "الواجب إذا اختلف الناس أو نازع أحد
في مسألة ما أن يُرجع إلى القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم لا إلى شيء
غيرهما ، لقوله تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم
تؤمنون بالله واليوم الآخر} . فصح أنه لا يجوز الرد عند التنازع إلى شيء غير كلام
الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا تحريم الرجوع إلى قول أحد دون رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، لأن من رجع إلى قول إنسان دونه صلى الله عليه وسلم
فقد خالف أمر الله بالرد إليه وإلى رسوله ، مع تعليقه ذلك بقوله {إن كنتم
تؤمنون بالله واليوم الآخر} ، ولم يأمر الله تعالى بالرجوع إلى قول بعض المؤمنين
دون جميعهم " .
يقول الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين : "ومن
أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم
وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل وكانت جنايته على الدين أعظم
من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في
كتاب من كتب الطب على أبدانهم . بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر
ماعلى أديان الناس وأبدانهم" .
ويقول أيضا في موقع آخر : "فمهما تجدد العرف فاعتبره ، ومهما سقط فألغِهِ ، ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك . بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تُجرِهِ على عرف بلدك ، وسله عن عرف بلده فأجرِهِ عليه وأفتِهِ به ، دون عرف بلدك والمذكور في كتبك . قالوا : فهذا هو الحق الواضح ، والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين" .