كلمة التحرير ..

يصدر هذا العدد الثاني من "الرشاد" وقد استصحبت هيئة التحرير آراء شريحةٍ من قراء العدد الأول وانطباعاتهم فيما له علاقةٌ بمحتوى المجلة من حيث المضمون والإخراج ، مما يجدر بنا أن نبسط الحديث عنه في هذه الافتتاحية ، انسجاماً مع سياستنا الثابتة في حفظ التواصل مع جمهور القراء ، بحيث تكون دوريتنا هذه - بالفعلِ دون القول - منهم وإليهم على الدوام .

لقد كانت الملاحظة الأساسية عند أغلبية قرائنا تتلخص في إحساسهم بشيءٍ من الصعوبة في أسلوب الخطاب عند معالجتنا لبعض القضايا الفكرية ، الأمر الذي اقتضى منهم جهداً ذهنياً مقدراً للوصول إلى مرامي بعض الكلمات أو الجمل والمصطلحات . فكان أن طالبونا بنوعٍ من التبسيط غير المُخِلِّ ، الذي يحافظ على جوهر الفكرة ، ويُمكِّنُ القارىء - الذي لم يعتد على مثل تلك المصطلحات - من فهمها واستيعابها بشكل دقيق .

و الحقيقة أن مثل هذه الملاحظات تُعتبر ظاهرةً متكررةً و مُتوقعةً في مثل هذا المقام ، فمجلتنا هذه مجلة فكريةٌ ثقافيةٌ تحاول أن تُحلِّلَ ظَواهرَ الواقع بِلُغةٍ علميةٍ ومنهجيةٍ مختلفةٍ عن المألوف الصحافي السطحي والمباشر ، وهذه اللغة مألوفةٌ وغالِبَةٌ في الأوساط ذات الاهتمام الفكري والثقافي المكثف ، حتى خارج إطار أهل الاختصاص.  وفي المقابل ، فإن جمهور قراء العربية ، ممن يقرأ مثل هذه الدورية ويهتم بطروحاتها ويتابع إصدارها ويشجع أهلها ، إنما يمثلون الشريحة الكبرى من أمتنا ، المتخصصة في شتى الفروع والمجالات ، العاملة على أرض الواقع المباشر ، والبعيدة - إلى حد متفاوت - عن استعمال هذه اللغة ، وتلك المصطلحات والألفاظ .

ورغم أن هناك انطباعاً يرى في هذه الشريحة - بِحُكْمِ ذلك التنوع والانشغال -  إصراراً على بعض الأفكار التقليدية ، وانحصاراً في عقليةٍ محدودة استنفدت مهماتها وتجاوزتها ظروف الزمان والمكان ، إلا أننا نعتقد جازمين غير ذلك . فهذه الشريحة من أمتنا هي التي عانت وتعاني اليوم ، على مستوى حياتها الخاصة والعامة ، من العقم الشائع في الأفكار وفي الأساليب والوسائل ، وهي التي تعيش تناقضا حاداً بين شعاراتٍ براقة ترتفع إلى عنان السماء ، وواقعٍ مُهترىءٍ وعاجزٍ مُكبلٍ على الأرض في أصفادِ الواقع . بل إننا لنجزم أن هذه الشريحة هي أول من يبحث عن ملامح الاجتهاد والإبداع الأصيل الذي يتجاوز ثنائية التقليد الغافل والتجديد الجاهل ، ولكنها إنما تستجيب أكثر ماتستجيب ، وتتفاعل أكثر ماتتفاعل ، مع نوعٍ من الخطاب الذي يستخدم مألوفَ الجمل والعبارات ، ويحمل - في نفس الوقت - الجديد في الأفكار والطروحات ، مهما بدى ذلك الجديد للوهلة الأولى غريبا أو طريفا غير مُعتاد. وإننا لَعَلَى يقينٍ أن هذه الشريحة مستعدةٌ لِبذلِ جهدٍ مُقدَّرٍ للتواصل حتى مع بعض المصطلحات غير المطروقة في الأدبيات العربية والإسلامية ، إذا ماشعرت بِبُعدِها عن التقعُّر المقصود والفذلكة الأدبية المجردة ، وبضرورتها لحمل بعض المعاني والأفكار التجديدية .

من هنا ، فإننا نرجو أن نكون في إصدارنا الثاني هذا أقربَ إلى تحقيق أملنا ، الذي أعلنَّاه منذ اللحظة الأولى ، والمتمثل في إخراج الخطاب "الوسيط" الذي يمتلك القدرة على استعادة "الوصلة" الغائبة نسبيا عن حياتنا اليوم بين عالم الفكر وعالم الواقع ، حتى يتحقق الشرط الذي وضعه أسلافنا العظماء مدخل الفلاح وسبيل النجاح ، متمثلا في أن يكون "العِلمُ إِمامَ العَمَل ، و يكون العَمل تابعاً له" . ولما كان مثل هذا الإخراج يتطلب الابتعاد عن استخدام المصطلحات والجمل المجردة التي تحمل عددا كبيرا من الإشارت والأفكار جُملةً واحدة ، والاستعاضة عن ذلك بشيءٍ من التفصيل ، فإن من الطبيعي أن يلاحظ القارئ زيادةً في صفحات المجلة بشكل عام ، وفي بعض المواضيع الحساسة على وجه الخصوص .

لقد أعلنَّا منذ اللحظة الأولى في مركز دراسات الثقافة والحضارة وفي هذه المجلة ، أننا إنما نستمدُ شرعية وجودنا من تَميُّزِ وخصوصيةِ الإنتاج الصادر عنهما من حيث المواضيع والمجالات التي ستكون مجال البحث من ناحية ، ومن حيث أسلوب الطرح والدراسة والمعالجة من ناحيةٍ ثانية ، على أن يكون ذلك تميُّزَ تَنوُّعٍ وخصوصيةَ تَوزيعٍ للأدوار ، لاتميُّزَ تَفَاضُلٍ ولا خصوصيةَ استغناء .. ونحن نعيد التأكيد في هذا المقام على تلك الحقيقة ، التي آن الأوان لكي تصبح شعاراً لجميع العاملين في مختلف المواقع وعلى جميع المستويات ، تنسيقا للصفوف وتجميعا للطاقات ، وتوجيها للإمكانات والمقدرات بحيث تخدم المواقع الأكثر فعاليةً وأصالةً والأغزر إنتاجاً وعطاءً والأكبر حيويةً وإبداعاً في هذه الأمة .

وإننا لنرجو أن يجد قارئنا الكريم ابتداءً من هذا العدد مايؤكد صحة تلك الدعوى ، متمثلاً بالذات في خصوصيةِ أسلوبِ المعالجة والتحليل لمجموعةٍ متميزةٍ من مواضيع ومجالات البحث . وعلى سبيل المثال ، فإن القارىء المثقف الذي كثيرا مايترددُ على أسماعه مصطلح "المقاصد" في هذه الفترة ، سيطَّلع على مانحسَبُهُ إشاراتٍ - وإن كانت سريعةً - إلا أنها غايةٌ في الخطورة والأهمية بالنسبة لمستقبل التعامل مع هذا المصطلح ودراسته ودوره في الحياة . وكذلك فإن القارىء الذي ربما قرأ عشرات المقالات التي تُحاول تحليلَ وعَرضَ الواقع الأمريكي بغية فهمه وامتلاك القدرة على التعامل معه ، سوف يُطالع تحليلاً على مستوىً من العمق والإحاطة لم يُلتفت إليه في تلك المقالات ، وربما تَندُرُ الإشارةُ إليه في مكانٍ آخر . هذا فضلاً عن مواضيعَ أُخرى تتناولُ بعض ظَواهرِ الواقع العملي والثقافي الحساسة في أمتنا ، وتحاول إعادة تحرير القول فيها ، ترتيباً للأولويات ، ووصلاً للأجزاء ، وعرضاً للاقتراحات وأساليب العمل ، وتنبيهاً إلى شموليةِ وتَدَاخُلِ مثل تلك الظواهر ، وإلى الآفاق الكبيرة التي باتَ امتلاكُها اليوم شرطاً لابُدَّ منه لكل من يريد فهم هذا العالم والتعامل معه بفعاليةٍ واقتدار .

لقد أصبح من المتفق عليه أن الوعي يمثل اليوم العامل المفتقد في حياة الأمة أكثر من أي شيء آخر . ورغم أن رحلة الوعي طويلة ومتعددة المراحل ، لكنها يجب أن تبدأ دوما من نقطة البداية ، ولاينبغي أن يدفعنا طولها المحتمل إلى حرق المراحل أو القفز فوقها بحماسة واندفاع . وما على الذين يرون غير ذلك سوى ممارسةُ قدرٍ من الصبر وضبط النفس ، ليروا كيف يمكن - عبر توفير بعض شروط الوعي ومقدماته للأمة - أن تنطلق وتُفجَّر فيها طاقاتٌ كامنة لم يكن أحد يحسب أنها قابلة لمثل ذلك الإطلاق والتفجير . وكيف يمكن - بِنَشرِ الوعي - خدمةُ قضايا استعصت على جهود المندفعين والمتحمِّسين ، بل والوصول إلى أهداف كادت تبدو في أعينهم بعيدةً وعزيزة المنال .

إن من أروع ملامح قصة التجربة البشرية على هذه الأرض وأكثرها جمالاً وجلالاً ، ذلك التطلع نحو الكمال ، والذي وضعه خالق البشر في أعماق النفس الإنسانية ، كيما يكون لها على الدوام دافعا لايتوقف ، يدفعها للنمو والصعود في مدارج الفهم والفقه والعلم ، ومعينا لاينضب ، يمنحها باستمرار ماء الحياة في رحلة الطموح التي وصفها عالمنا العظيم ابن الجوزي حين قال : ".. ولو كانت النبوة تُحَصَّلُ بالاجتهاد ، رأيت المُقصِّر في تحصيلها في حضيض ..." .

ولكن النبوة التي خُتمت ، لايمكن أن تُحَصَّلَ بالاجتهاد . رغم ذلك ، فإن كمال الحكمة الإلهية  اقتضى أن يتسلم الرايةَ الإنسانُ الذي صنعته تلك النبوة ، وصاغته تلك الرسالة ، لينطلق بها في رحلة الحياة ، تُحرِّكُه حرارة العقيدة وقوة الإيمان ، وتُحدِّدُ ملامحَ طريقه ثوابتُ الرسالة ومقاصدها الكبرى ، يستعمل عقله ليغرف من تجارب الماضي وتجارب الآخر ، ولكن ليعيش في الحاضر إعماراً للأرض ونشراً للحق والعدل والخير والجمال فيها ، ولا سلاح في يده أَعظمُ من ذلك الاجتهاد ، بكل أنواعه ومعانيه ..

وهاهو ذا العدد الثاني من "الرشاد" ، يستلهمُ تلك المعاني ، وهو يعلم أنه في أول الطريق ، وأن هذا الطريق طويلٌ ومليءٌ بالعقبات والتجارب ، وربما بالأخطاء والعثرات ، ولكن مسيرتَهُ تمضي واثقةً بأنه "وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" ، ومتأملا من المولى العون والتسديد والمُكْثَ في الأرض ، مااستطاع في صفحاته أن يتجنَّبَ "الزبد" ، وأن يحمل نورا يستضيء به البشر ، أو خيرا وعلما مستجدا ينفع الناس .