في تحرير العلاقة بين مستقبل الفرد ومستقبل الأمة
ملاحظات
حول التخصص
يصعبُ
تخيل العجز الذي يشعر به العرب والمسلمون ، رغم وجودهم في هذا العصر الذي أصبح
اختراقُ حواجز الزمان والمكان من سماته المميزة . ويصعب فهم القصور في التوجه إلى تخصصات
معينة أظهر الواقع الحاجة الماسة للأمة إليها ، رغم أن الكثيرين باتوا يدركون
المدلول الأصيل لمصطلح ( فرض الكفاية ) ، بالمعنى الذي يفترض وقوع الأمة بمجملها
في الإثم ، مالم يتصدى نفرٌ من أبنائها ليتخصصوا في علومَ وفنونَ ، أصبح امتلاكُ
الأمة لها شرطاً من شروط بقائها فضلا عن استعادة دورها المأمول في التاريخ .
وأخيراً ، فإنه يصعبُ أيضا الظن بقدرة الأمة على ممارسة مهمة السير والنظر في
الأرض ، بُغية الفهم والإحاطة
بحقيقة الواقع المحلي والعالمي ، أو بغية ممارسة عمليات الاجتهاد والتجديد الأصيلة
التي بات الكثيرون يتحدثون عن ضرورتها الحيوية وحتميتها في حاضر ومستقبل أمةٍ
خاطَبَ خالِقُهَا أفرادها قائلا { فاسأل به خبيرا } ، وخاطبها جماعة قائلا { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون } ،
دون الانتباه إلى مايمكن أن يقدمه أهل الخبرة وأهل الذكر من أصحاب الاختصاص من
إجابات على كثير من الأسئلة والاستفسارات .
إن
الدعوة إلى تَوجُّهِ وتوجيه قطاعاتٍ واسعة من أبناء الأمة إلى التخصص في العلوم
الإنسانية والاجتماعية ، لايزال نداءً نظريا ليس له من رصيد الواقع والاستجابة
العملية إلا أقل القليل ، رغم تصاعد الإحساس بخطورة هذه التخصصات وأثرها في الصراع
الحضاري الذي ترتسم فصوله ومشاهده في الواقع العالمي الراهن . وإن الخلل في
توازننا الحضاري كأُمَّةٍ لا يزال متصاعداً باستمرار ، من جراء التركيز غير
المدروس أو المتوازن عند مجمل شرائح الأمة ، في توجيه شبابها وناشئتها باتجاه
مجموعةٍ محدودة من التخصصات معروفةٍ لدى الجميع، ولايتجاوز عددها أصابع اليد
الواحدة ، بينما تُترك مساحة واسعة من المجالات الأخرى ، وفي مقدمتها العلوم
الإنسانية والاجتماعية ، إما للنابهين من أبناء الحضارات الأخرى ، يبذلون فيها
الجهد والمال ، فيساعدون على بقاء حضارات وغياب أخرى ، أو في أحسن الأحوال ، لتلك
الشرائح التي تم تهميشها في مجتمعنا لظروف اجتماعية واقتصادية ، ممن اضطرتهم
"درجات آخر العام" إلى اختيار هذه المجالات ، بعد أن لفظتهم باقي
التخصصات والفروع الأكثر "رقيا" اجتماعيا ، والأكثر تطلبا "للدرجات"
.
والواضح
أن شأناً عاما خطيرا كهذا الشأن ، يتطلب اهتماما مقدرا لدى كل من يهمه مستقبل هذه
الأمة ، بعيدا عن تقسيمات الألوان والأعراق والانتماءات . ذلك أن التركيز على تلك
التخصصات المعروفة ، وإن كان مَظنَّةَ النجاح على المستوى الفردي عند كثير من
الناس ، فإن تراكم آثاره على المستوى الاستراتيجي البعيد يهدد مجمل كيان الأمة
التي ينتمي إليها أولئك الأفراد ، ويهدد بالتالي مكاسبهم المادية أو المعنوية
الموهومة ، كما أنه يجعل نجاحاتهم تلك موظفةً في اتجاه ضخ دماء الحياة في منظومةٍ
حضارية أخرى ، وفي خدمة تلك المنظومة عن إرادة أو عن غير إرادة ، إذا ما أصبحوا
"صواميل" في آلة التشغيل الضخمة تلك ، أو عُمالاً على خط الإنتاج فيها .
إن
هذا الطرح لايعني بطبيعة الحال دعوةً للتعصب الحضاري في هذا العالم المفتوح ، وهو
أمرٌ أصبح مجرد التفكير فيه دليلا على غيابٍ هائلٍ عن هذا العالم والعصر ، قبل أن
يكون إشارةً على فهمٍ مُتخلِّفٍ لمقاصد الشريعة المخاطب بها نوع الإنسان أينما كان
. كما أنه لايعني دعوةً إلى عصبيةٍ "اختصاصية" تنظر إلى الدنيا من
منظارها الأوحد ، ولا تُدرك خطورة دور كل تخصص من التخصصات ، وضرورة وجودها جميعا
، بل وتعاضدها وتعاونها في تحقيق تلك المقاصد المذكورة .
وإنما
المقصود من مثل هذا الطرح محاولةُ استعادة التوازن المفقود ذاك ، تحضيرا للأسباب
التي سَتُمَكِّنُ هذه الأمة من إعادة بلورة نموذجها الحضاري المتميز ، والذي
ستستطيع عبره الإسهام في الحوار الحضاري، بل وفي تخفيف غلواء الوجه المادي البشع
للنماذج الأخرى أياً كانت ، وفي تقليص وحصر مساحة الألم والقلق البشريين الناتجين
عنه على صعيد الأفراد والأمم والجماعات .
وفي
هذا السياق تأتي هذه المحاولة لتحديد مجموعةٍ من العوامل والأسباب النفسية
والاجتماعية والفكرية ، التي لازالت تقف عائقاً في وجه انطلاق مجموعاتٍ مُقَدَّرةٍ
من شباب العرب والمسلمين النابهين لاقتحام فروع التخصصات الاجتماعية والإنسانية ،
وهو الأمر الذي نعتقد بضرورة حصوله إذا ماأُريد لهذه الأمة إحداثُ أي نقلةٍ
مُعتبرة في مسيرتها المتعثرة نحو المستقبل المأمول .
1)
النماذج السابقة :
وليس
المقصود هنا بطبيعة الحال تلك النماذج التي تحدثنا عنها ، ممن اضطرهم
"التهميش" الاجتماعي إلى الدخول في هذه الفروع ، فإن أغلب هؤلاء -
ونتحفظ على التعميم - معذورون في نوعية "العطاء" الذي قدموه في الأمة
سواء من حيث محدوديته أو سلبيته ، لأنهم لم يمتلكوا أصلا المقدمات أو الرغبة والموهبة
للإبداع في مثل هذه المجالات . وإنما نقصد البعض من أبناء الأمة الذين اختاروا
بدافع من الرغبة هذه التخصصات ، مع وجود القدرة والإمكانات لديهم على اختيار بعض
التخصصات "العلمية" الأخرى ذات الشهرة في المجتمع .
وإشكالية هؤلاء تنقسم إلى
مستويين : أما البعض في هذه الشريحة فإنه لم يرجع من موقعِ تخصصه حاملاً علمهُ
وشهادته فقط ، وإنما رجع حاملاً لمُجمل المنظومة الثقافية والحضارية الغربية ،
وكان جزءٌ كبير من الحل - في رؤيته - يتمثل في القيام بعملية استبدالٍ ثقافي شاملة
في مجتمعاتنا الشرقية ، يتم من خلالها إلغاء جميع مكونات وجودها السابقة ابتداءً
من طرق التفكير والتعبير ، مروراً بمُجمل منظومة القيم والعادات والأخلاق
التقليدية ، وانتهاء بجميع المؤسسات التاريخية العاملة في المجتمع . وذلك بهدف
إحلالِ طرق التفكير ومنظومة القيم والمؤسسات الغربية في موضعها ، انطلاقا من قناعةٍ راسخة بأن (التقدم) و (المدنية)
هي مراحل في الحضارة لايمكن الوصول إليها إلا بأخذ تلك المنظومة الغربية متكاملة
دون تقطيع أو تجزيء وانتقاء .
و
رغم أن قوة الارتباط في مجتمعاتنا بحضارتها وتاريخها كانت - كما في أي مجتمع آخر -
عميقة ومتجذرة ، إلا أن الشعور بالتخلف الحضاري كان عاماً وشائعا أيضا ، الأمر
الذي جعلها تمارس عمليةَ قبولٍ ورفضٍ عشوائية لتلك الطروحات ، وهو ماأدى إلى فشل
محاولات التنمية القائمة عليها ، وأدى تالياً إلى تهميش أهمية وحساسية الدور الذي
يمكن أن تقوم به تلك التخصصات ، بسبب فشل أصحابها في تقديم حلول وإجابات تستلهم
روح العصر وتتكلم بلغته وتستخدم أدواته ، ولكنها تنطلق من خصوصية المبادئ والأسس
الحضارية لهذه الأمة .
أما
البعض الآخر في هذه الشريحة ، فإن الإشكالية تتمثل في أن المواقع التي استوعبتهم
كانت في أغلبها مواقع شكلية ليس لها دور حقيقي في خريطة صناعة القرار في أمتنا ،
من مثل بعض اللجان التخصصية التابعة للجامعة العربية أو لمنظمة المؤتمر الإسلامي ،
وهي لجان تتخبط في متاهات البيروقراطية الفارغة . وحتى إن نتج عن عملها بعض
الدراسات والبحوث العلمية الجادة والنافعة - الأمر الذي يحدث أحيانا - إلا أن أثر
هذه الدراسات لايتعدى جدران المؤتمرات
والندوات التي تُلقى فيها ، لتعود فتقبع مُهمَلةً بعد ذلك في ثنايا المكاتب
أو المكتبات حتى يطويها النسيان . وبدهيٌ أن لاتشعر الأمة بعد ذلك بأي حضورٍ
لهؤلاء المتخصصين ، ولاترى أثرا إيجابيا يُذكر لتخصصاتهم في حاضرها ومستقبلها ،
وأن تتضاءل في حِسِّها أيُّ أهميةٍ أو خطورة وحاجة لمثل تلك التخصصات .
2)
ضيق الأفق وقلة الاطلاع :
إن
من معالم الغياب الملاحظ في أمتنا عن فهم هذا العالم ، ذلك التفاوت الهائل بين
العدد المحدود من مجالات التخصص التي يفكر فيها أبناء المجتمع طريقا للمستقبل ، أو
حتى تلك التي تُوفرها الجامعات والمعاهد في بلادنا ، وبين العدد الخيالي من
التخصصات الذي باتت تطرحه اليوم مراكز ومعاهد الدراسة والتدريب في باقي أنحاء
العالم . وهذا التفاوت الكبير يحصرُ مستقبل أبنائنا - ومستقبل أمتنا بالتالي - في
مجموعةٍ تقليدية من العلوم (العلمية) و (النظرية) التي تنحصر خياراتهم فيها ،
الأمر الذي يدفعهم إلى حشر أنفسهم حشرا في أحدها، بغض النظر عن الرغبة أو الهواية
أو الإمكانات ، و انجرافاً مع العرف السائد في المجتمع ، الذي يحدد مجالات النجاح
- المادي على وجه الخصوص - في الحياة بصورةٍ تزيدها حصرا وتضييقا ، وبشكل تتعمق
معه معاني الحفظ والتقليد والجمود ، بينماتضيع مفاهيم الإبداع والتجديد والانطلاق
.
لقد
بلغت آفاق التخصصات والعلوم والفنون عند أهل الدنيا مبلغاً من التنوع والتعدد
والتداخل ، انفتحت معه أبوابٌ وتمهدت سبلٌ للمعرفة والإنجاز البشريين لاتقف عند
حدود . وإن من المستحيل أن نُتقن التعامل مع عالمنا ، و مع كثيرٍ من شؤون وشجون
ومشكلات حاضرنا ومستقبلنا ، دون امتلاك تلك التخصصات ، والتي ستبقى - من دونها -
مساحاتُ شاسعة في خريطة وجودنا وتكويننا الحضاري في هذا الزمان فارغة خاملة ليس
لها فعل أو رصيد .
لقد
أحصى البعض بضعاً وثلاثين شُعبةً ضمن تخصصٍ أساسي واحد لايعلم أهلنا وأبناؤنا
بوجوده ابتداءً ، أو بما يمكن أن يكون له من دور، ذلك هو علم التواصل البشري
"Communication " . ورغم أن
لدينا شيئاً من التحفظ على درجة التفسيخ والتفتيت التي تنتج في الغرب من مثل ذلك
التقسيم المُبالغ فيه في عملية التخصص ، إلا أن الغرضَ إنما يكمنُ في الإشارة إلى
درجة غيابنا عن مثل هذا الواقع ، وإلى آثار مثل ذلك الغياب .
3)
تحرير مسألة الرزق :
إن
تحرير مسألة العمل للرزق وضرورة اتخاذ الأسباب لذلك ، يُعتبر مسألة حيوية وحساسةً
في هذا المقام . ذلك أن من أسهل الأمور فيما يتعلق بهذه المسألة ، خرقُ التوازن
المطلوب بين دواعي الواقعية ودواعي المثالية الحالمة . فمن المعلوم أن من أكثر
المقولات قوةً ، والتي تَطرحُ حتمية وضرورة الانحصار في مجموعةٍ من التخصصات
لتحصيل النجاح في الدنيا ، تلك التي تتكئ على قاعدة "اتخاذ الأسباب"
مدخلا لذلك الطرح . وذلك من باب الواقعية كما ذكرنا ، ومن باب استصحاب التجارب
الخاصة والعامة في المجتمع . إلا أننا نعتقد أن تلك الواقعية المزعومة إنما نتجت
وتنتجُ على الدوام من قراءةٍ أصبحت مُتخلفةً وقديمة للواقع والعصر ، فضلا عن كونها
بعيدة كل البعد عن فقه أصيل وعميق لمقاصد الشريعة السمحاء .
فمن
ناحية ، أصبح معلوماً في عالم اليوم مدى الإشباع الذي أصبحت تتصف به كثير من
العلوم والتخصصات التقليدية مثل الطب وبعض فروع الهندسة ، وذلك من حيث ضخامة أعداد
المتخصصين وغلبة التنافس الحاد على المواقع والمجالات التي يمكن لهم العمل فيها .
بينما نشأت تخصصاتٌ جديدة وطريفة ، تزداد الحاجةُ إلى العاملين فيها . وفي
الحالتين فإن درجة القدرة على الإبداع والتميز والتطوير والابتكار أصبحت مداخل الحصول
على الوظائف أو على عملٍ منتجٍ في المجتمع، وأصبح - بالتالي - امتلاكُ تلك الميزات
طريق النجاح و (الفلاح) في هذه الأيام . إلا أن من الواضح أن ذلك الأمر غير ممكن
مالم يحدث انسجامٌ وتناغمٌ بين شخصية أبنائنا وطبيعة التخصصات التي يُقبلون عليها
. فالإبداع يحتاج إلى نوعٍ من العلاقة الخاصة والحميمة بين الإنسان وعمله ، بحيث
يجدُ فيه ما يُلبي أشواقه وتطلعاته، ويتفاعلُ مع همومه وآماله ، ولم يعد يكفي فيه
الاقتصار على مجرد حفظ منهج محدد أو نيل درجة معينة . وكم من شابٍ أو فتاة يفشلان
في مجموعة من التخصصات ، حتى تأتي لحظة النجاح في تخصص معينٍ بعيدٍ وغير مألوف ،
حتى ليحسب المرء أن ذلك الشاب أو تلك الفتاة لم يُخلقا لغير ذلك التخصص .
لقد
آن الأوان لتتخلص أمتنا من هذه العقدة التي تُخيل لها أن لاسبيل إلى النجاح المادي
والمركز الاجتماعي في هذه الحياة إلا باختيار تخصصٍ مألوفٍ أو اثنين ، وآن الأوان
ليقتنع الأهل قبل الأبناء في مجتمعاتنا أينما كانت ، أن الإبداع والجهد والمثابرة
باتت مفاتيح اليسر والنجاح ، وأن الشرط المطلوب لذلك إنما يتمثل في توسيع آفاقنا
حول التخصصات الموجودة سؤالاً ومتابعة وبحثا واطلاعا ، ثم التأكيد على معاني التميز
والإبداع والابتكار والجهد بعد اختيار أيٍ من تلك التخصصات .
و
من ناحية ثانية ، فإن فقها أصيلا و عميقا لمقاصد الدين الحنيف يطرحُ رؤيةً مغايرة
لذلك الفهم الذي يحصر قضية اتخاذ الأسباب و يخصصها على أنها التوجه إلى تلك
التخصصات المعدودوة . فبالإضافة إلى ما تقدم ذكره من تحرير مصطلح (فرض الكفاية) ،
الذي يجعل الأمة كلها آثمة مالم يوجد فيها من يغطي كل ثغرة حيوية في وجودها و
حاضرها ومستقبلها ، وبالإضافة إلى الدعوة الأكيدة لأن تنفر شرائح الأمة في اتجاهات
مختلفة طلبا للفقه والعلم ، و إلى دور أهل الذكر - و هم اليوم المتخصصون كلٌ في
مجاله - في رسم صورة مستقبل هذه الأمة . يأتي مفهوم (الفلاح) كما يطرحه بعض أهل
الذكر أولئك ، مقابلا لمفهوم (النجاح) ، وحاملا إضافاتٍ واسعة إلى معانيه .
إن
مفهوم النجاح يحمل معاني الإنجاز والتحصيل بمختلف أنواعه ولكنه يحصر ذلك كله في
هذه الدنيا من جهة ، ثم إنه يُغفل المقاييس والموازين التي يتحدد وفقا لها ذلك
النجاح من جهة ثانية ، فهو لايُشير إذا ماتعلقت النتيجة بخير أو شر ، أو ترتَّبَ
عليها نفع الناس أو ضررهم ، وإنما هو مجرد النجاح في تحقيق هدفٍ محدد . أما مفهوم
الفلاح فإنه يحمل معنى الإنجاز والتحصيل ، ولكنه يضبطُ ذلك بخيرٍ يتحقق ونفعٍ
يتحصلُ للناس على هذه الأرض . ثم إنه يمتدُّ بعد ذلك إلى الآخرة فيجعلُ تحقيق
الفوز فيها غايةَ الحركة والعمل في الدنيا . وبهذه النظرة الخاصة ، يصبح طلب
(الفلاح) وليس مجرد النجاح ، مُحركَ الإنسان في الواقع ، ويشمل ذلك فيما يشمل
اختيار التخصصات والفروع للدراسة والتخصص ، وتصبح حاجاتُ الأمة ومتطلباتها الحيوية
محورَ الحركة والبحث ، انطلاقاً من قناعةٍ حاسمةٍ أولاً بأن مستقبل الفرد - على
الصعيد الشخصي - وهو يتوجهُ هذا التوجه ، وبعد توفر شروط الأهلية وبذل الوسع -
لايمكن أن يَقِلَّ بحال إشراقاً وفلاحاً عن مستقبل الأمة حين تُوجد فيها هذه
التخصصات ، و ثانياً بأن العليم الحكيم الرحيم يتولى برعايته وعنايته من سارَ في
هذا الطريق ، وتوافرت فيه شروط الإخلاص والوعي ، ويُهيءُ له من الأسباب ما يمكن أن
يكون فوق طاقة البشر على التخيل والتفكير .. لاسيما وأن تلك القناعة وذلك اليقين
هما مفرق الطريق في امتلاك القدرة أو عدم امتلاكها على اقتحام هذا السبيل .
4)
عدم القدرة على رؤية الجزء من الكل وعلى رؤية ترابط الظواهر :
فكثيٌر
من أبناء الأمة يعجزُ عن رؤية الدور والأثر الذي يمكن أن ينتج عن العمل في بعض
التخصصات الاجتماعية أو الإنسانية ، حيث يبدو لهم أن ذلك الدور أو الأثر بسيطٌ
وهامشي ولا يتصف على الإطلاق بالخطورة والحساسية . والمشكلة أن هذا الأمر يمثل
علامةً أخرى من علامات غيابنا عن هذا العصر وهذا العالم . ذلك أن رؤية أهمية
وخطورة مثل هذه التخصصات يتطلب آفاقاً ممتدةً خلف حدود الزمان والمكان ، وبصيرةً
نفاذةً تُدرك أن الأثر الفعلي لهذه التوجهات إنما هو أثر تراكميٌ طويل المدى ، و
إن لم يكن مباشرا و ظاهرا للعيان . فلقد أصبح تداخُلُ شؤون الحياة من أكثر الظواهر
تمييزاً لعصرنا وعالمنا ، و إن الظن بأن السياسة فقط هي محرك الحياة الاجتماعية ،
أو بأن الصناعة والهندسة لا علاقة لها بالأخلاق والقيم ، أو بأن عالَم الاقتصاد
محصورٌ فقط في الأرقام و المعادلات .. إن مثل تلك الظنون هي أبعد ما تكون عن
الحقيقة و الواقع . و المشكلة أن فهم ذلك التداخل والتشابك في العلاقات يُعتبر
مقدمةَ الاستعادة الحضارية المأمولة ، وأن مثل ذلك الفهم يُعتبر - بدوره - مستحيلا
دون امتلاك زمام جميع تلك التخصصات و العلوم والفنون ، ودون اجتماع المتخصصين
وتكامل أدوارهم ، وصدورهم في ذلك كله عن فقهٍ عميق وشامل لمقاصد وأصول منظومتهم
الحضارية الخاصة .
وإن
من المستبعد أن يدرك أبناء الأمة حساسيةَ دور هذه التخصصات في مستقبلها ما لم
تُطرح مثل هذه الآفاق على مسامعهم ، وتكون مجالا لدراساتٍ وحوارات طويلة وعميقة
وشاملة الأبعاد .
5) افتقاد العقلية الاقتحامية
والخوف من الجديد :
إن
غلبة صفة التقليد والمحاكاة يُعتبر سمةً من سمات الأمم التي أصابها الجمود الحضاري
. وهذا واقع أمتنا اليوم ، فحتى في القرارات الخاصة بطريقة الحياة الشخصية ومجال
العمل و الاختصاص ، تجدُ المرء من أبناء الأمة يستسهلُ ويختارُ طرق الأبواب
المطروقة من قبل ، ودخول المجالات المسبوقة من الآخرين .. بينما يستصعبُ ارتيادَ
الجديد أو غير المألوف في هذه المجالات . ومعالجةُ هذه العقلية المتمكِّنة تحتاج
إلى تدريبٍ إراديٍ ومِرانٍ متواصل يَزرعُ - خاصةً في أبناء الجيل الجديد - الرغبةَ
في ارتياد وكشف المجهول من العوالم والآفاق ، والقناعةَ بإمكانيةِ اختراق الحواجز
النفسية المصطنعة ، التي تحيطُ ببعض تلك العوالم ، وتوحي باستحالةِ قدرتنا على
فهمها والتعامل معها .
إن
عقلية الخوف والجزع هي عقلية القوم الذين دعاهم نبيهم موسى عليه السلام إلى دخول
الأرض المقدسة التي كتب الله لهم ، فأبوا ذلك إلا في حال خروج القوم الجبارين منها
، ورفضوا منطق الاقتحام المتوكل الواعي الذي يؤدي إلى الفوز والنصر والغلبة . وهو
منطق ومنهج المؤمن الذي يعلم من ربه مالا يعلمه الناس ، فيعلم منه ضمان الحصول على
الحكمة والفقه والعلم والدراية جزاء العمل والإخلاص ، ويعلم منه حقيقة الهداية إلى
السبيل جزاء الجهاد فيه .. ولأنه يعلم ذلك فإنه يسير في مُلْكِ الله الواسع على
هذه الأرض ، واثق الخطوات ، رابط الجأش ، يطرق الأبواب المغلقة ، ويرتادُ المساحات
المهجورة ، "يُسْلِمُها" لله ، وينفض عنها غبار الجهل والجاهلية والشرود
عن المنهج ، ويعيدُ إليها رونقها وبهاءها الأصيل ، ودورها في تحقيق الحق والعدل
وفي نشر الخير والجمال بين الناس في هذه الحياة .
إن
العقلية الاقتحامية المتوكلة تحتاج إلى صفاتٍ خاصة ، وهي نتاجُ منهجٍ في التربية
يجب أن يشيع في أوساط الأمة اليوم ،
لأنها عقليةٌ تَليقُ بطاقاتِ و إمكاناتِ شرائحَ كبرى من أبناء هذه الأمة التي لا
تُعوزها الطاقات و لا الإمكانات . صحيحٌ أن تلك الشرائح ربما تتحمل قسطا من
المعاناة والتضحية ، يكون دوما نصيب الطلائع الأولى ، التي تستكشفُ الأرض وتُمهدُ
الطريق وتواجه المجهول ، وكثيرا ما يمكن أن تُجرِّب وأن تتنقل بين الخطأ والصواب ،
ولكن عزاءَها وهي تأملُ في أن تنال مقام السابقين الذين نفروا "غرباء"
عزاءٌ كبير وعظيم ، تصغرُ معه كل المتاعب وتهون تجاهه جميع التضحيات .
6) عدم إدراك أهمية توزيع الأدوار
والوظائف وتكاملها :
إن
من الواضح أن من الشروط الأساسية
لحل إشكالية التخصصات في العلوم الإنسانية والاجتماعية ، إدراكُ شرائحَ واعية في
الأمة لخطورة عملية توزيع الأدوار والوظائف ، وقيامُهم بأدوارهم المعينة انطلاقا
من ذلك الفهم . وبهذا يمكن تشجيع
مزيد من الأعداد على التوجه باتجاه تلك التخصصات ، بحيث لا تقتصر على أفرادٍ
معدودين لهم خصوصيةٌ معينة . ففي هذه المرحلة المبكرة على وجه التحديد ، لا يمكن
تكوين وتطوير الأقنية والمؤسسات والوسائل لتأكيد ذلك التوجه ، إلا عبر تسخيرِ
طاقاتٍ مُقدرةٍ تدعمُ رموزَهُ وبرامجه في كل موقعٍ وفي كل مجال . وبشكلٍ يتجاوز
الأطر والأشكال التقليدية التي ثَبَتَ عدمُ جدواها و قلة فعاليتها في تمكينِ
المشاريع الطموحة من العطاء والاستمرار . وحبذا لو تَنتشِرُ وتُناقش في هذا المقام
فكرة المؤسسات التخصصية المتنوعة التي تخدمُ بعضَهَا -كُلٌ في مجاله - والتي لابد
منها على كل حال في المراحل المتقدمة ، لكي يمكن تجميع المتخصصين في تلك العلوم
الاجتماعية في مراكز أبحاث ومجموعات عملٍ جدية ، بعيدة عن أجواء البيروقراطية
والتوظيف السياسي المباشر ، تستوعب طاقاتهم و مواهبهم ، و توجه أبحاثهم بحيث ينتج
منها عملٌ على أرض الواقع عبر المؤسسات الأهلية المتنوعة التي تنتشر في المجتمع ،
بُغية خدمة شرائحه المختلفة على كل صعيد .
7) افتقاد الطموح الحقيقي وشيوع
عقلية الاستصغار :
إن
من معالم ثقافتنا السائدة ذلك الانخفاض المستمر في سقف طموحات أبنائنا وبناتنا من
شباب هذه الأمة . إن الحلم بالحصول على مهنةٍ تُؤمِّنُ للإنسان دخلا معقولا ،
يُعينه على تشكيل أسرة ورعايتها ، وعلى أن يحيا حياةً هادئةً ومستقرة ، حلمٌ
مشروعٌ وطبيعي ، بل إنه المقبول و المطلوب من عامة الناس ... أما أن يصبح هذا
الأمر - بكل معانيه و امتداداته - غاية المنى ونهاية المطاف لكل أبناء وبنات هذا
الجيل ، فإنه يعني افتقادَ النماذج الفذة والخاصة التي تُشعلُ شرارةَ الإلهام
وتكسر قيود الإِلْفِ والعادة ، وتكتب السطور الأولى في صفحات التاريخ ، وترسم
حركتُها الخطوةَ الأولى والحاسمة في رحلة قيام الدول والحضارات . إن هذه النماذج -
باختصار - هي مُحرِّكُ التغيير في الأمة . وحيث أنها تنطلق في حركتها من رفضها
لسلبيات الواقع ، فإن طموحها إلى التغيير يدفعها إلى الانطلاق في هذا العالم بحثاً
عن عوالمَ وآفاق جديدة ، تكونُ عوناً لها في مسيرتها الحساسة تلك .
وفضلا
عن افتقاد الطموح ، تأتي عقدة الاستصغار المتحكمة في أمتنا عن وعيٍ منها أو عن غير
وعي ، لتُشكِّل عائقاً إضافيا في وجهِ مشاعر الطموح والعزيمة التي يجب أن يمتلكها
أبناء هذا الجيل . فلقد تراكمت - بأثر المفارقة بين واقعتا وواقع العالم من حولنا
- تداعياتُ تلك العقدة حتى أصبحت الأمة - في أعماق الثقافة السائدة ، ولو لم
يُعترف بذلك - ترى أبناءها وبناتها أصغرَ من أن يقوموا بمشاريع أو أدوار كبرى في مختلف مجالات الحياة ،
وأصبح هؤلاء الأبناء والبنات يستصغرون أنفسهم بدورهم ، ولا يرون في أنفسهم سوى
القدرة على القيام بأدوار ثانويةٍ تقليدية مكرورةٍ لا نصيب فيها لذلك الطموح
الواعي المتوكل المجاهد الذي كان يميز العظماء والأفذاذ من أسلافنا على مر العصور
، و الذين عبَّرَ عن منهجهم ابن الجوزي وهو يقول :" .. و ينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه ، فلو كان يُتصور للآدميِّ صُعود
السماوات لرأيت من أقبح النقائص رِضاهُ بالأرض .." !.. ويقول في مقام آخر
:".. و لو أمكنك عبور كل أحدٍ من العلماء و الزهاد فافعل ، فإنهم كانوا رجالا
وأنت رجل .. و في الجملة لا [يجب أن] يترك [الواحد] فضيلةً يُمكن تحصيلها إلا
حصَّلها ، فإن القنوع حالة الأرذال !.. وما قَعدَ من قَعدَ إلا لِدناءة الهمة
وخساستها .." !!..
هذا بينما تبدأ كثيٌر من المشاريع الكبرى في كل مجالٍ عند أهل
الحضارات الأخرى على يد شبابٍ يافعين ، أو فتياتٍ في ربيع العمر ، ليس عندهم سلاح
غير العلم والعمل والجهد والإتقان ، ولا وقود لديهم سوى الطموح ، ولا هدف لهم سوى
(النجاح) في هذه الدنيا ..
إن
تربية أبناء أمتنا على الطموحات الكبرى ، و زرعَ مشاعر العزيمة و الهمة في أعماقهم
، وإن إعلان الحرب على عقدة الاستصغار لدى كبار هذه الأمة وصغارها ، إنما يمثل
مفرقاً أساسيا وخطيرا في إحداثِ النقلة النفسية المطلوبة بشكل عام في هذه المرحلة
، وبشكل خاص في عملية توجُّه أبناء الجيل في اتجاه التخصصات الحساسة في هذا العصر
وفي هذا العالم .
من
هنا ، فإن التركيز على مثل هذه القيم في مناهجنا التربوية ، أصبح حاجةً وضرورةً
ملحة . بدلا من التركيز على مجموعةٍ من القيم - المطلوبة في ذاتها - ولكن الاقتصار
عليها أصبح يُنتج أجيالا من (الطيبين) ، وربما (الدراويش) الذين لا تصلح (عُدتهم)
ولا يكفي (عتادهم) لحملِ أمانةٍ بهذه الخطورة ، ولا لمواجهة عالمٍ بهذا التعقيد ..
وأخيرا
، فإن هذا الطرح لا يهدف إلى استقصاء وحصر أسباب الأزمة (التخصصية) و آثارها
السلبية في حاضرنا و مستقبلنا ، بقدر ما يرمي إلى الإشارة إلى مجموعةٍ من العوامل
الشخصية أو الجماعية التي تؤدي إلى استمرار تلك الأزمة. وواضحٌ أن تلك العوامل
إنما هي نتاجُ بعض سلبيات ثقافتنا ومنهج التفكير والحياة والتربية لدينا . إن من
المستبعد أن يتخذ فردٌ ، سواء كان الأب أو الأم أو المعلم أو الابن والبنت قراراً
بالتوجه نحو تخصصٍ حساسٍ معين غير مألوف ، إذا ما وجدت فيه صفةٌ من تلك التي
تحدثنا فيها قبل قليل ، أما إذا ما اجتمعت فيه كل تلك الصفات ، رغم كل نيته الطيبة
وصلاحه الشخصي ، فإن الاحتمال باتخاذ مثل ذلك القرار يصبح معدوما في جميع الأحوال
. وهذا في حد ذاته مثالٌ على علاقة أزمة الفكر والتربية في أمتنا بحاضرها المؤلم
ومستقبلها المأمول .
ختاما ، وحتى نمارس ماندعو إليه ، ويدعو إليه الكثيرون ، من ضرورة الانتقال من طرح المبادئ إلى طرح البرامج ، ولو في أصغر صورها الممكنة ، فإن موضوع تنوع التخصصات و آفاقها المحتملة يمثلُ جانبا أساسياً من جوانب اهتمام مركزنا ، مركز دراسات الثقافة والحضارة ، الأمر الذي يجعل في مقدورنا تقديمَ استشارات علميةٍ نأمل أن تكون متميزة في هذا المجال لكل من يرغب في ذلك أو يسأل عنه . وإننا لعلى ثقة أن مثل هذا التواصل بين أبناء الأمة في مختلف مواقعهم ، إنما يمثل السبيل إلى امتداد مساحات الوعي والمعرفة في حياتنا الفكرية والعملية ، وأن ذلك الامتداد إنما يرسم الخطوة الأولى المطلوبة في مراحل التغيير والاستدراك والاستعادة الحضارية .