هذه زاوية للحوار
العلمي والبحث المنهجي ، نأمل أن نطرح فيها بالمشاركة مع المثقفين والعلماء
والباحثين من أصحاب الاهتمام ، مجموعة من القضايا الحساسة ذات الأولوية في حاضر
الأمة ومستقبلها المأمول ، لتوضع تحت مجهر البحث والدراسة والتحليل، وصولا إلى تحرير
القول فيها عبر آليات التأصيل والاجتهاد ..
تقديم
: إن الإقرار بوجود مجموعةٍ كبرى من الثوابت والأصول والكليات التي تحكم حركة
الإنسان على هذه الأرض ، وبأن مصدرها ومرجعها هو الخالق الحكيم العليم الخبير ، لا
يُعتبر فقط أساس فلاح تلك الحركة وشرط رشادها ، وإنما يُعتبر الصفة التي تميز
المشروع الحضاري الذي يعتبر الإسلام محوره الأساس ، عن غيره من المشاريع . رغم ذلك
، فإنه لايمكن لأي أمةٍ ممارسة عملية الانتقال من مرحلةٍ إلى أخرى تتقدم عليها ،
إلا عبر تحرير القول في مجموعةٍ من المقدمات والقواعد الأساسية التي تمحورت الحركة
الفكرية والعملية لتلك الأمة حولها في المرحلة السابقة .
وإن من أشد الأمور خطراً
وحساسيةً الافتراض بأن بعض أو كل تلك القواعد والمقدمات صحيحةٌ على الدوام ،
أوكونها مُسلَّماً بها في كل زمان ومكان ، خاصةً إذا كان الدور الذي تلعبه بمثل
تلك المحورية والأهمية في حاضر الأمة ومستقبلها . وتزداد الإشكالية تعقيدا حين
نعلم أن مثل تلك القواعد لم تُوضع بقرارٍ من جهةٍ معينة أو فرد محدد، وإنما
تَواضعَ عليها العقلُ الجمعيُّ للأمة من خلال الظروف التاريخية والثقافية . ولذلك
فإنها أصبحت مثل الأعراف أو القوانين غير المكتوب ، التي رغم كونها تحكم كثيرا من
فعاليات المجتمع ، إلا أنها - في نفس الوقت - تتصف بالخفاء والليونة والضبابية ،
بحيث تتأبى على الرؤية والإمساك والتحديد ، فضلا عن الدراسة والتحليل .
وبسببٍ من ذلك الدور المهم ،
وتلك الطبيعة الخاصة ، فإن من غير الممكن تحرير القول في تلك القواعد والمقدمات
دون الشروع في عملية بحث و حوار مفتوحة وشاملة ، يشارك فيها كل مهتم بشأن الأمة من
زاوية رؤيته ، وحسب مبلغ علمه ، بكل صراحة وحيوية وإخلاص ، وفق شروط الأخلاقية
الأصيلة والعلمية المنهجية ، وبعيدا عن مشاعر الحساسية الزائدة والتحسب البالغ من
جهة ، وعن مزالق التجريح والاتهامية وسوء الظن من جهة أخرى . سيما حين يكون يقين
الجميع وشعارهم أنه { فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض } .
من هنا ، نفتتح هذا الملف
الأول الذي يبحث في ( تحرير معنى العمل للأمة أو العمل للإسلام ) ، داعين كل ذوي
الألباب والبصائر إلى المشاركة فيه بكل الجدية المطلوبة من ناحية ، وإلى اعتماده -
من ناحية ثانية - موضوعا من مواضيع الدراسة والاهتمام والحوار في مواقعهم على
امتداد المساحات والأقطار .
في تحرير معنى ( العمل للأمة ) أو ( العمل
للإسلام )
إن من أكثر المعاني شيوعا
اليوم ، بين أبناء الأمة في كل مكان ، و على اختلاف الأعراق و الألوان و
الانتماءات و التجارب ، مجموعةَ المعاني المُتضَمَّنة في إطار مصطلح ( العمل للأمة ) . فإيجادُ ذلك
الفرد الذي (يعمل للأمة ) هوهدف البرامج والمناهج ، والوصول إلى إِحداثِ التغيير -
على اختلاف تعريفاته وأهدافه - وسيلَتُهُ هي ( العمل للأمة ) ، والجموع تُقَوَّمُ
في كثيرٍ من المواقع - بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال - بكونها من ( العاملين
للأمة ) أو من غير العاملين لها ، و ربما يتم التعامل معها وفقا لذلك التقسيم ..
وشرائحُ كبرى من الأمة تتقلب حائرة الأفئدة والعقول ، مشتتة الهوى بين اختصاصاتها
ومواقع عملها التي لا ترى فيها ، و لايرى فيها الآخرون ( عملا للأمة ) ، ومواقع
أخرى ينحصر فيها ذلك العمل وفق التعريفات ( العرفية ) السائدة .
وهكذا نجد هذا المصطلح يحمل
في طياته حشداً من المعاني ذات العلاقة الشمولية بفعاليات حياة الأمة وواقعها
اليوم ، إلى درجةٍ أصبح الأمر معها يتطلب وقفةً علمية ومنهجية جادةً ، تتَّصفُ
بالشُّورية وتَعدُّدِ الآراء ، وتعمل على تحرير القول في تعريف المصطلح وآفاقه
ودلالاته ، وفي آثار ذلك التعريف وتلك الدلالات على مجريات الأمور في واقعنا
الراهن .
أما منهجنا في تناول هذه
القضية وعرضها على طاولة الحوار ، فإنه يبدأ بطرح فرضيةٍ مُختصرة ، تُعتبر تلخيصا
مجملا لتعريف المصطلح وأبعاده ودلالاته ، كما هي في أرض الواقع اليوم ، وينتهي
بطرح مجموعة من الأسئلة ذات العلاقة بتلك الفرضية ، والتي يمكن أن تكون مداخل
المدارسة والحوار في هذه المسألة .
*
*
*
الفرضية :
لقد اجتمعت مجموعةٌ من الظروف
الثقافية والعملية عبر تاريخ أمتنا ، وأدى اجتماعها ذاك إلى أن ينحصر تعريف العمل
(المباشر) للأمة وللإسلام في أربعة وظائف رئيسة :
2. وظيفة أو دور الإنسان
الحركي
3. وظيفة أو دور المفكر أو
الكاتب
4. وظيفة أو دور العسكري /
المجاهد
وأصبحت (الوظائف) أو
(الأدوار) الأخرى المتنوعة التي يقوم بها باقي أبناء الأمة ، والتي لا تندرج في
واحدةٍ من تلك الوظائف الأربعة ، وظائفَ (ثانوية ) و (تكميلية) ، لا تؤدي مباشرةً
في حس النخبة (ولا في حس الأمة) إلى إقامة النموذج الحضاري البديل ، وإنما يجب أن
تمرَّ في (مصفاة) إحدى تلك الوظائف أو مجموعها ، وتكون مُسخَّرةً لخدمتها والإسهام
من خلالها في ما يهم الصالح العام .. وبذلك انتقلت تلك الوظائف الأربعة من كونها
أدواتِ توجيهٍ وتنسيقٍ (ضرورية) في الأمة ، تتناوبُ أدوارها وتتعاضد تبعاً
لخصوصيات المواقف والأحوال ، إلى كونها (أدواتِ فعلٍ) مباشرٍ حصرية ، ليس
فقط في معالجة مكونات الواقع الجزئية (وهذا دور تمتلك الأهلية لممارسته) ، بل في
المحاولات المتكررة لإخراج النموذج الحضاري البديل في صورته الشاملة إلى حيز
الوجود . بكلامٍ آخر ، إن تلك الوظائف لم تتصدَّ فقط لإصلاح واقعٍ محليٍ هنا أو
هناك ، بل اعتُبِرَت بأنها هي كل شيء ، وبأنها هي القادرة على القيام بكل شيء .
من هنا ، فإن هذه الفرضية
تعتبر أن من الواجب في هذه المرحلة إعادة تعريف كل ما يتعلق بمصطلح (العمل
للإسلام) أو (العمل للأمة) . وذلك بحيث يمتد تعريف المصطلح في وعي المسلمين على
اختلاف مواقعهم واهتماماتهم إلى جميع فعاليات الحياة البشرية، وبشكل يتمكن فيه كل
فرد من ربط عمله واختصاصه بذلك المصطلح ، لا بشكلٍ عامٍ ومجردٍ وضبابي ، وإنما
بشكلٍ محددٍ ومُفصَّلٍ وواضح المعالم .
*
*
*
الأسئلة :
· إذا
كانت الفرضية خاطئة (أي إذا كان التحليل السابق خاطئا) : ماهي المقدمات التي سببت
الخطأ في الفرضية ؟ أين مكمن الخطأ في الفرضية على وجه التحديد ؟ ماهو إذاً
التعريف الأقرب للصحة فيما يتعلق بالمصطلح ودلالاته كما هو متعارف عليه اليوم؟
ماهي الآثار الإيجابية لذلك التعريف الجديد على وجه التحديد ؟ وماهي الآثار السلبية
بالمقابل ؟ هل يتغلب وزن الآثار الإيجابية على السلبية بحيث لايحتاج التعريف
ودلالاته إلى دراسة وربما تغيير ؟ إذا كان وزن الآثار السلبية غالبا ، فما هي
ملامح و مقدمات التعريف الجديد المطلوب ؟ و أخيراً ، ما هي الآثار الإيجابية
الجديدة المُتوقع انبثاقها عن شيوع هذا التعريف الجديد ؟
· إذا
كانت الفرضية صحيحة : إلى أي درجة تمتلك هذه الفرضية نصيبا من الصواب ؟ ماهي
المقدمات التي أنتجت صواب الفرضية؟ ماهي ابتداءً تلك الظروف التاريخية الثقافية
والعملية التي أنتجت مثل هذا الوضع ؟ هل هناك وظائف أخرى يمكن اعتبارها داخلة في
شريحة الوظائف الرئيسة تلك وأغفلتها الفرضية ؟ ماهو أثر ذلك التقسيم غير المكتوب
للوظائف إلى (أساسية) و (ثانوية) في منهج تفكير وعمل أهل الوظائف الأساسية ؟ وماهو
أثر ذلك بالمقابل في منهج تفكير وعمل وطريقة حياة باقي أبناء الأمة ؟ ماهي آثار
تسخير مجمل الوظائف التي يقوم بها أبناء الأمة لخدمة الأدوار التي تقوم بها
الوظائف الأربعة ؟ ماهو معنى أن تكون تلك الوظائف الأربعة أدوات توجيه وتنسيق في
واقع الأمة ؟ ماهي صفات الخصوصية التي تجعل تلك الوظائف مؤهلة للقيام بتغيير مباشر
وجذري في بعض المواقع المحلية أو الحالات الجزئية ؟ وماهي العوامل التي لاتجعلها
مؤهلة لأن تكون (كل شيء) وتنجز (كل شيء) في الصورة الحضارية الشاملة ؟ كيف نقيس
درجة (ضرورة) الأدوار التي تقوم بها هذه الوظائف أصلا ؟ وهل درجة الضرورة تلك
ثابتة أو متغيرة ؟ ماهي المقدمات الفكرية والعملية لانبثاق تعريف جديد ؟ ثم ماهو
هذا التعريف الجديد المطلوب ، وماهي أبعاده ودلالاته المحتملة ؟ وأخيرا ، ماهي
الآثار الإيجابية المتوقع ظهورها من شيوع ذلك التعريف الجديد ؟
*
*
*
إن من المتوقع أن يشعر
القاريء بنوعٍ من التعقيد في الأسئلة خصوصاً، وفي الموضوع بشكل إجمالي ، إذا كانت
القراءة لهذا الكلام قراءةً (صحفيةً) سريعة . لذلك نعيد التذكير بأن الأسطر
السابقة تمثل موضوعا مطروحا (للبحث) لمن يهمه الأمر . أما فيما وراء ذلك ، فربما
كان في مجرد إثارة مثل هذه الأسئلة لدى البعض حافزٌ لشيءٍ من التفكير في بعض
المسلمات الثقافية والاجتماعية السائدة .
وتبقى بعض الملاحظات التي
تجدر الإشارة إليها في هذا المجال . الأولى تتعلق بالتأكيد على غايتنا من استخدام
مصطلح ( تحرير القول ) للإشارة إلى الغرض من هذا الملف . فنحن نعلم أن مِنْ أولِ
وأكبر (الشعارات) المطروحة في عالم الفكر والحركة شعار (الشمول) ، الذي يحمل في
معانيه الدلالة على (شمول معنى العمل للأمة) ، وأن كل عمل يقوم به صغير أو كبير في
الأمة يمكن اعتباره عملا من أجلها. ومن هنا ، فإننا لانقصد من مصطلح ( تحرير القول
) الإشارة إلى (عدم طرح) مايشير إلى هذه القضية في المناهج والأدبيات ، بقدر
مانبحث في مدى مصداقية هذا الشعار في الواقع ، بدلالة شواهد هذا الواقع نفسه ، و
التي لا تخفى - فيما نظن - على المنصفين من أولي الألباب .
أما الملاحظة الثانية فإننا
نود الإشارة من خلالها إلى أن مثل هذه المدارسة لاتهدف بِحالٍ إلى الانتقاص من
جهود وعطاءات وتضحياتِ أجيالٍ من العاملين لهذه الأمة في مختلف المجالات ، وعلى
جميع المستويات . ممن أفرز عملهم خيراً عميما لا يَخفى على الناظر ، إذا انطلق في
رؤيته من نظرةٍ شموليةٍ إلى مجمل تاريخنا وواقعنا ، ولم ينحصر في واقعٍ إقليمي أو
محليٍ محددٍ هنا و هناك . ونحن نعتقد - عل كل حال - أن مثل ذلك الانتقاص يُعتبر
علامة مَرَضٍ نفسيٍ وفكريٍ ، ودليلَ انقطاعٍ عن الجذور والأصول ، نرجو أن تكون قد
تجاوزته الوقائع والأفكار منذ زمان بعيد .
وأخيراً ، فإننا - رغم طول
الأسئلة نسبيا - لا ندَّعي حصر ما يمكن الحديث عنه وتداوله في هذا الموضوع ، بقدر
ماكان هدفنا الإشارة وضرب الأمثلة وفتح باب الحوار . علما أننا لا نريد بهذا
الإخراج الإلماح من قريب أو بعيد إلى امتلاكنا للإجابات الشافية على تلك الأسئلة
الحساسة . وإن كان لنا إسهامٌ يتعدى تقديم المسألة للقراء ، وفتح باب الحوار فيها
، فإنه سيأتي في مرحلةٍ قادمة ، في سياق مجموعة المقالات والآراء التي نأمل أن تستفزها
طبيعة هذا الموضوع الحساس والخطير .