إلى أن نلتقي ..

 

ابن المقفع

هذه نافذة مفتوحة على الشعر والفن والأدب ، ومساحة حرة للحوار الخفيف . نخاطب المثقفين و القراء من خلالها ، و نفتح الباب لمن يرغب منهم في الحوار حول باقة منوعة من الشؤون والشجون ، عبر الرموز والتشابيه والاستعارات حينا ، وعبر المباشرة والتعيين أحيانا . وكل مانرجوه منها أن تتنوع مستويات خطابنا وتتعدد "موجاتُهُ" بشكل يجعل أجهزة الاستقبال عند قرائنا جميعا قادرة على التقاطه في جميع الأحوال..  

وعودا على بدء .. نستطرد في الحديث الذي طرحه الأصدقاء في إدارة التحرير في مقدمة هذا العدد ، ونخالفهم الرأي فيه قليلا ، لنتساءل مع القراء : اليوم وقد اتضحت أهمية الوعي والثقافة في حياة الإنسان على صعيد الفرد والمجموعة ، واليوم وقد شاعت الثقافة السطحية أو المزيفة وكثر أنصاف المثقفين ، كيف يصبح الإنسان مثقفاً ثقافةً حقيقية تُمكِّنهُ من إطلالةٍ أكثرَ عمقاً ، وأبلغَ أصالةً ، وأشدَّ صفاءً على هذا العالم ؟

واضحٌ أن الإجابة على مثل هذا التساؤل يمكن أن تكون طويلة ومركبة ومتعددة العوامل . ولكن مايهمنا منها في هذه السطور عاملٌ واحد ، ذلك هو الصبر !! ففي هذا العصر السريع ، افتقد الكثيرون الصبر حتى على قراءة جملةٍ مرتين ، أو على التفكير بضع لحظات في نهاية فقرةٍ معينة ، لربطها بما قبلها وبعدها من الكلام . وشاعت أفهامٌ مغلوطةٌ لمبادئ صحيحة تقول أن كل إنتاجٍ فكريٍ وثقافي يجب أن يراعي هذه الطبيعة السريعة للعالم ، بدعوى الانشغال وقلة الفراغ .. وفاتَ الكثيرين أن مثل تلك الطبيعة نتجت عن منظومةٍ خاصة تستعجلُ إنهاء العمل ركضاً وراء  مزيدٍ من الإنجاز وبالتالي مزيدٍ من الأرباح في وقت العمل ، ثم تدعو ذلك الفرد (المشغول الذي ليس لديه وقت أو فراغ) إلى قضاء ساعاتٍ بعد ذلك على شاشة التلفاز ، أو على الشواطيء ، أو في ملاعب الغولف ، أو في ساحات الأسواق ، أو في قاعات اللهو واللعب !! ليشيع بعد ذلك في العالم أن هذا العصر هو عصر السرعة .. و عصر الاختصار .. و عصر العجلة و الاختزال .. بينما الخبراء و العلماء هناك .. يقضون الأيام و الليالي في مكاتبهم ، دراسة لفكرة ، و تحليلا لموقف ، و بحثا في موضوع محددٍ وصغير .. وتفكيرا في كل صغيرة وكبيرة في هذا العالم ..

ولكن ، لماذا نتحدث عن هؤلاء ؟ لماذا لانكون صريحين ونسمي الأشياء بأسمائها ؟ لماذا لانرى كيف ننفق نحن ساعاتنا ، وكيف نقضي أيامنا و ليالينا ؟ ونحن نرفع شعار السرعة والاختصار والسهولة . وبالمقابل ، كم من فكرةٍ كانت تبدو معقدة أو فلسفية لأول وهلة ، ثم تبينت بساطُتها بعد قليلِ صبرٍ وإعادةِ قراءةٍ وشيءٍ من التركيز ؟ وكم من موضوعٍ حَسِبَهُ الإنسان معقداً وحكراً على المختصين ، لتتبين سهولته بعد شيء من الجهد الذهني البسيط .

كلا .. ليست هذه دعوةً إلى تعدي أهل الاختصاص ، وادعاء العلم في كل فن ، والخبرة في كل مجال .. ولكنها دعوةٌ إلى الصبر ، وإلى شيء من الجهد والتركيز .. بل إنها دعوة إلى الثقافة ، وإلى إعادة الاعتبار إلى عقول هذه الأمة التي اقتنع البعض فيها بمحدوديةٍ في القدرات ، وضعف في الإمكانات ، لايليق بقيمة الإنسان ، ولابكرامة الإنسان ، ولا بشرف الإنسان الحامل لنفخةٍ من روح الخالق ، ومقامه المميز بين المخلوقات . وأخيراً ، فإنها دعوة إلى الإصغاء ، ننادي قراءنا بها عبر أبيات شاعر المهجر "أبو ماضي" ونقول لكل فرد منهم :

يا رفيقي أنا  لولا أنتَ ما غنيتُ لحنا

كنتَ  في  سِرِّيَ لما  كنتُ وحدي أتغنى

هذه أصداءُ رُوحي فلتكن روحُكَ  أُذنا

إن تجدْ حُسْناً فَخُذهُ واطَّرحْ ماليس حُسنا

إن بعض القولِ فنٌ .. فاجعل الإصغاءَ  فنَّا

تَكُ كالحقلِ  يرُدُّ  الكيلَ  للزارعِ    طنّا

رُبّ  غيمٍ  صارَ  لما   لَمَستْهُ   الريحُ   مُزنا

ربما  كنتُ  غنيا .. غير  أني  بك  أغنى

ما لصوتٍ أُغلقت من دونِهِ الأسماعُ  معنى

كل   نورٍ  غيرُ  نورٍ  مرّ  بالأعين وسْنى

يارفيقي أنت إن راعيتَ فَجْري صارَ أَسنى

و إذا طفتَ  بِكَرْمي  زدتهُ خصباً و أمنا