الأقليات بين العرف والقانون في أمريكا
لم
يعد من المقبول ونحن نعيش في مثل هذا العصر أن ننطلق في فهمنا لظواهر العالم من
حولنا ، من رؤية أحادية تحكمها مشاعر الحماس أو العاطفة . وعندما يتعلق الموضوع
بالغرب حضارة ونظاما وتاريخا ، فإن الرؤية التحليلية الهادئة تصبح أكثر ضرورة
وإلحاحاً .
وإذا
كان من المستحيل علينا كمسلمين وكعرب الوصول إلى فهم شامل وعميق للمنظومة الغربية
، تمهيدا للتعامل معها أيا كان شكل ذلك التعامل .. إذا كان ذلك مستحيلا تحت مشاعر
المرارة والغضب والعداء الناتجة عن أسباب معروفة ، فإن من المستحيل تحقيق ذلك
الهدف أيضا انطلاقا من ردود فعل ثقافية يغلب عليها البساطة والاجتزاء والقراءة من
الخارج ، ترى في تلك المنظومة وماينبثق عنها من برامج ونظم ، من آيات الخير والعدل
والجمال ما لايراه أهل تلك المنظومة أنفسهم .. بل ربما ما تنفيه الوقائع الحية على
أرض الواقع .
موضوعنا
اليوم عرضٌ وتحليلٌ لقصةٍ حدثت وقائعها في ولاية دالاس الأمريكية ، وهي تسلط أضواء
نقدية عميقة على مجموعة من القيم التي تُعتبر مثار فخر المنظومة الأمريكية والتي
هي مثار إعجاب الكثير من أبناء الشعوب الأخرى ، من مثل قيم المساواة والديمقراطية
والتنوع العرقي والثقافي ونظام رعاية الأطفال ومستوى حقوق الإنسان ، إلى غير ذلك
من القيم المعروفة ..
*
*
*
بدأت أحداث القصة - التي نعرضها ملخصة - في قاعة ألعاب
مدرسة ابتدائية عام 1989 ، عندما شاهدت امرأة أمريكية رجلا (هو مهاجر ألباني
مسلم) تركض باتجاهه ابنته الصغيرة التي تبلغ من العمر أربع سنوات ونصف ، ليعانقها
الأب عناقا حارا وليطبع على وجنتها الصغيرة قبلة شوق وحنان .. إلى هنا لايبدو في
المشهد مايثير الاستغراب لدى قارئ هذه الكلمات ، لكنه بالنسبة إلى المرأة
الأمريكية المنسجمة مع وقائع ثقافتها وحضارتها كان يعني شيئا آخر خطيرا ..
فبالنسبة إليها كان هذا مؤشرا أكيدا على اعتداء جنسي من رجل يبلغ السادسة والخمسين
من العمر على ابنته البريئة. وبسرعةٍ تنسجم أيضا مع الفعالية الأمريكية رفعت
المرأة دعوى قضائية على الرجل ، وانعقدت المحكمة لتسمع شهودا آخرين حضروا المشهد ،
ثم شهادة "خبيرة" اجتماعية صادقت على رأي المرأة و على أن مستوى (الدفئ)
الذي رآه الشهود في مثل هذا العمل يؤشر على أن ما حصل اعتداء جنسي (مألوف) كثيرا
ما يحدث بين الآباء ...
وكانت
النتيجة - وسط ذهول وعجز الأهل والجالية المسلمة - حكما قضائيا يسحب حق الأبوة من
الأب ويضع الأم حارسا قضائيا - مؤقتا بانتظار تحقيقات إضافية - على الطفلة وأخيها
الذي يكبرها ببضع سنوات ، بشرط أن لاتسمح الأم للأب برؤية الأولاد .. ولما كان هذا
الحكم في نظر الأم منافيا لكل قواعد وأعراف العدل والإنسانية فإنها لم تلتزم بذلك
الشرط ، الأمر الذي دعى العاملة الاجتماعية التي كُلفت بمتابعة القضية إلى أن ترفع
بدورها الأمر إلى المحكمة التي حكمت هذه المرة بسحب حق الأبوة والأمومة من
الوالدين .. وطلبت وضع الطفلين - اللذين لم تنفع شهادتهما المتكررة ببراءة الأب -
في دار رعاية اجتماعية والإعلان عن وجودهما لمن يرغب أن يتبناهما من العائلات ..
وفعلا حصل هذا بعد فترة حيث تبنى كل واحدٍ منهما أسرة منفصلة ، ولم يقف الأمر عند
حد انفصالهما عن الأهل وعن بعضهما ، بل أُجبرا على تغيير الإسم والدين وعلى الذهاب
إلى الكنيسة .. ورغم ورود معلومات بذلك إلى المحكمة إلا أنها لم تأخذ موقفا لأنها
رأت أن مصلحة الطفلين في البقاء مع الأسرتين تغلب هذا الادعاء .. واليوم بعد مرور
سنوات على الحادثة لاتزال القضية معلقة والطفلين حيث هما بعيدين عن الوالدين
المفجوعين رغم كل المحاولات ، حيث تبين أن القضية خرجت - إداريا - حسب القانون من
يد القضاء ، وأصبحت الأسر المتبنية هي من يتحكم في الموضوع ....
*
*
*
ونعود
إلى السؤال : كيف يمكن الكتابة في قصة مشحونة بالعواطف كهذه القصة من غير أن يدعي
البعض أن التحليل الموضوعي انحاز إلى القلب على حساب العقل ؟ رغم ذلك ، فإن القصة
- بقدر ماهي مشحونة بالعواطف والأسى - فإنها أيضا مشحونة بالدلائل العلمية
والمنهجية التي نحاول عرضها فيما يلي .
على
السطح ووفق ظاهر الأمر .. ها هي امرأة تنطلق من عمق فهمها وربطها لظواهر حضارتها
الخاصة ترى ظاهرة (خاطئة) ، فتنطلق من (مسؤوليتها) لكي تقوم بواجبها إشفاقا منها
على هذه الطفلة البريئة وخوفا على مستقبلها . وهاهو (النظام القضائي) يستجيب بسرعة
وفعالية ويستعين في ذلك بنظام (الرعاية الاجتماعية والنفسية) .. وهاهي جميع آليات
هذين النظامين تستجيب أيضا للمهمة وتعمل وفق فلسفة تلك المنظومة بكل دقة وأمانة ..
ثم هاهو نظام (رعاية الطفولة) المنتشر في المجتمع يعمل بدوره ، فتتقدم الأسر لتبني
الطفلين رغم كل الملابسات والمعلومات عن القضية، ورغم كل ذلك الاتقان يُصدِرُ أكثر
من سمع بالقصة حكما بأن النتيجة إنما هي مأساة !.. لماذا وكيف يحصل هذا التناقض ؟
وماهي الملابسات الثقافية والحضارية لقضيةٍ جعلت حتى البعض من ذوي القناعة
النهائية بكمال وفعالية المنظومة (the system) من
المسلمين يحكمون أن عملها الدقيق ذاك أنتج مأساة وظلما بدل الحق والعدل ؟ إن هذا
السؤال يُعتبر خُلاصةً لمجموعةٍ من الأسئلة الحائرة التي تبحث عن جواب داخل إطار
هذه المنظومة .
وإن
السؤال الأول الذي يمكن طرحه هو : ما دمنا نعيش اليوم في عالم "القرية
الصغيرة" ، كيف يمكن للثقافات المختلفة أن تتعايش ؟ إذا كان الأمر الذي
يُعتبر واجبا ومفروضا في واحدة (مثل عناق الأولاد) ، يُعتبر جريمة في الثقافة
الأخرى . والإشكالية هنا هي تحديد
من يملك الشرعية العليا في ذلك اللقاء بين الثقافات . ومادام الحديث بمجمله داخلا
في إطار مفهوم حقوق الإنسان ، فهل حقوقه هي تلك المرتبطة بشخصه والمنبثقة عن
مصالحه ، أم أنها تلك المنبثقة من هويته الحضارية وجماعته العرقية، أم أنها تنبثق
فقط من رؤية وثقافة الدولة السياسية
التي يعيش فيها ؟ وإذا كان عندنا أكثر من نسخة لحقوق الإنسان ، فكيف تتصافى
وتتعايش ، ولمن تكون الكلمة الأخيرة عند تضارب الأمور ؟ هل هي للأكثر عددا في هذا
العالم ، أو لمن يملك عددا أكبر من الأسلحة ، أو للأغنى ؟ أم أنها لمن يملك
الوسائل الفعالة للإخراج الإعلامي للمسألة ، بحيث تظل بعض (الحوادثُ اليومية)
حوادثَ يومية لاتستحق الاهتمام ، بينما يتحول بعضها الآخر إلى (قضية) تستحق اهتمام
السلطات والتدخل المباشر من قبلها ؟
فإذا
انتقلنا للحديث على مستوى الجماعات المختلفة داخل الدولة الواحدة ، وتصورنا أن كل
جماعة تريد أن تحاسب الأخرى على تصرفاتها ووفق مقاييسها الخاصة يكون السؤال : من
يُعطى حق التقويم ؟ وما هو الذي يضمن التعايش الذي تفترضه الديمقراطية ، والذي
يُفترض أن لا يكون - نظريا - في صالح الأقوى ؟ إن هناك عادة رائجة في المجتمع
الأمريكي تُسمَّى (prom) تدعو الأهل لدفع البنات عند حفلة التخرج من الثانوية إلى
(الخروج) مع شاب .. دلالةً على البلوغ والنضوج والاستقلال القادم عن أولئك الأهل .
ماذا يحدث - على سبيل الافتراض - إذا أرادت العائلة الألبانية المسكينة محاكمة
المجتمع الأمريكي على هذه العادة التي تمثل في نظرها رمياً للبنات إلى استغلال
جنسي محض ، وسماحاً للبنين بممارسة سيطرة جنسية ترسخ معنى أحقية الاستغلال الجنسي
من غير تبعة ولا مسؤولية ، الأمر الذي يستدعي العقوبة في عرفها تحقيقا لا ظنا أو
تخمينا .
تلك
إذن مجموعة من الأسئلة التي - رغم افتقاد إجاباتها - إلا أنها تفيد في توسيع مدى
رؤيتنا لهذه المنظومة ، وللإشكاليات المتداخلة التي تتفاعل داخلها . كما أنها تعطي
صورة أقرب للواقع ، خاصة لأولئك الذين لايرون سوى اللون الزهري الجميل والمتناسق
في ملامح تلك الصورة .. لننتقل بعد طرح تلك الأسئلة إلى نوع من التحليل لمفهوم
(الأسرة) عند أهل هذه المنظومة .
تُعتبر
(الأسرة) تبعا للرؤية (العلمية) السائدة في هذه المنظومة على أنها (وحدة وظيفية)
لا أكثر . بمعنى أن المهم في هذا المفهوم إنما هو إنجاز (الوظيفة) التي تقوم بها
هذه المؤسسة ولاشيء وراء ذلك . وعلى العموم فإن مفهوم الأسرة كما تطرحه العلوم
الاجتماعية هو مفهومُ (تَشَكُّلْ اجتماعي) لايختلف كثيرا عن مفهوم (الشركة) أو
(المجموعة الكشفية) وهكذا .. و ما دام الأمر كذلك فإن أي بالغين يمكنهما القيام
بهذه العملية بغض النظر عن طبيعة علاقتهما بالأولاد ، ماداما قادرين على تنفيذ
(لائحة) من التعليمات الجاهزة والمحددة سلفا ، والتي تقود تلقائيا إلى تحقيق تلك
الوظيفة .
إن
هذه الحادثة تُظهر إلى درجة كبيرة مستوى (الميكانيكية) التي آلت إليها الحضارة
المعاصرة ، على مستوى التفكير والممارسة ، سواء كان ذلك عن وعي منها وإدراك ، أو
عن غير وعي وإدراك . فلقد وصل الأمر إلى أن أصبح الأبوان عبوتين تُرميان (disposable) حين يكون هناك أدنى شك في تاريخ (صلاحيتهما) ، ثم تُستبدلان
بعبوتين (نظيفتين) . و ما دام الإطار المعرفي العام أولا وأخيرا هو (الإنتاج) ..
فإن الهدف العقلاني هو (إنتاج) أولاد أفضل ، ويكون ذلك من خلال عقد اجتماعي جديد ،
لا يحتاج إلا ورقةً قانونية جديدة يُنسخ فيها الاسم القديم (الماركة القديمة) ،
ويُوضع اسم ماركة جديدة منحدر من الأبوين الجديدين ، اللذين سيتعاقدان اجتماعيا مع
الأولاد الجدد (المستوردين) و (بشكل قانوني بحت) . وحيث أن هذا العقد الجديد لا
يحتوي على أي بند للتمتع الجنسي بالأولاد فلن يكون هناك أي مشاكل ، وسوف ينمو
الأولاد النمو الطبيعي ويسلخون من ذاكرتهم كل ذكريات وملامح التنشئة الأولى . وإذا
حصل أي طارئ ولم يستطع الأطفال سلخ تلك الذكريات والملامح من الذاكرة فالحل موجود
. إذ يكفي استدعاء اختصاصي (نفسي) للقيام بهذا (وذلك في مقابل أجر مادي بطبيعة
الحال ، فلابد لعملية إنتاج الأولاد من أن تكون عادلة ماديا لكل الفرقاء فيها) .
وفوق ذلك أيضا ، فإن هناك الزيارات المتكررة من (العاملة الاجتماعية) لكي تقوم
بعملية ضبط العيارات الدورية (tune-up) لهذه
الآلة (الأولاد) التي انتقلت إلى هذه الورشة الجديدة .
إن
من الواضح فيما سبق أن مفهوم العلاقات الأسرية بهذا الشكل لم يُسلخ فقط من بعده
المعنوي الأخلاقي ، ويُقطع من كل متعلقاته من مفاهيم الأبوة والنسب والقرابة ، كما
أنه لم يُفصل فقط عن أبعاده البيولوجية التي لايزال الإنسان و العلم يجهل مكوناتها
، بل إن ذلك المفهوم سُلخ من أي أثر للبديهة والعاطفة الإنسانية العادية .
من
هنا فإننا نرى أن أزمة العائلة الألبانية إنما هي أزمة نظرة مختلفة للأسرة
. و حيث أن هذا الاختلاف عائد إلى مجمل التصورات الأساسية التي تحكم نظرة
الثقافتين المختلفتين إلى الإنسان والوجود والحياة ، فإننا يمكن أن نستنتج أن أزمة
تلك العائلة - وبالتالي كثيرا من الأزمات المشابهة - تعود في جذورها إلى اختلاف
أساسي في تلك النظرة إلى الإنسان والوجود والحياة .
ونحن
إذ نطرح هذا التفسير ، فإننا نرى أنه أكثر دقة وعقلانية من كثير من التفسيرات
الأخرى ، وعلى رأسها التفسير (الإتهامي) ، الذي يمكن أن يكون مؤداه أن المنظومة
الأمريكية (انتقمت) من هؤلاء فقط لكونهم مسلمين .
إن
النقص الفادح والمشوِّه في فهم الإسلام دينا وحضارة وثقافة يظهر أكثر ما يظهر في
مثل هذه الحوادث . فإذا كان الذَّكَرُ المسلم - وفق ذلك الفهم الناقص والمشوَّه -
هو الرجل الذي يمتلك (الحريم) ، فلا غرابة إذا في أن يتحرش بابنته ويعتدي عليها
جنسيا. وفي هذه النقطة بالذات تظهر
إشكالية تحقيق ما يمكن أن نسميه بالديمقراطية (النفسية)، وذلك حين يتساءل المرء عن إمكانية ضبط
المشاعر والانعكاسات النفسية بشكل يبرؤها من الحقد واحتقار الآخر الذي لا يشترك مع
الإنسان في العادات والأعراف الثقافية .
إن
أزمة التحيز النفسي الكبرى أنه غالبا مايؤدي إلى التحيز العقلي ، والمشكلة عند من
يحاكم مسائل المسلمين -من الخارج- ليس في التسلسل المنطقي للأحكام التي يُطلقها ،
وإنما في التصورات التي تحكم ذلك التسلسل في كل مرحلة من مراحله . أي أن المشكلة
الكبرى في الموضوع بمجمله - باختصار - ليست في الميكانيكيات والوسائل ، وإنما هي
في المنطلقات والتصورات الأساسية التي تختص وتتميز بها كل ثقافة وكل حضارة .
وفي
الجزء الثاني من هذا التحليل ننتقل - في العدد القادم - من السياق الأمريكي الذي
تمت معالجة الحدث في سياقه حتى الآن ، لنتحدث حول الإشكاليات العامة في التعامل مع
السلوك البشري و مفهوم العرف ، و دور السلطة و القانون تجاه هذه المسألة .
حاولنا في
القسم الأول من هذا المقال التأكيد على أن أزمة العائلة الألبانية إنما كانت قضية
مفهومٍ مُشكلٍ للأسرة و دورها في هذه البيئة الثقافية الغربية ، ورفضنا التفسيرات
الاتهامية التي يمكن أن ترى مجمل ما حصل على أنها تصرفٌ مغرضٌ مقصودٌ ضد المسلمين
.
إلى هذه النقطة لا تزال معالجتنا لقصة
العائلة الألبانية ضمن السياق الذي جرت فيه - سياق المجتمع الأمريكي . ولنحاول
الآن توسيع دائرة التحليل وإخراج القصة من خصوصية مكان حدوثها و متعلقاتها
القانونية وإبراز إشكاليةٍ عامة في التعامل مع السلوك البشري و دور السلطة و
القانون في هذا الخصوص .
و المقصود
هنا بالتحديد مسألتان : مسألة العرف ، و مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والأخذ على يد الظالم . و لنبدأ بمسألة العرف : فكما هو مشهور في الفقه ، عرف
المحلة و البلدة يؤخذ بعين الاعتبار ، سواء كان ذلك في أمور الاقتصاد و طرق تعامل
المتبايعين و إجراء العقود ، أو كان في أمور اجتماعية من قضايا الضيافة إلى الزواج إلى التعامل مع الأولاد ... وفي
مثل هذه الأحوال فمن الغالب أن لا يُثار جدل حول العرف ما دام يمارس في محلةٍ أو بيئة محصورة ، إلا أن
الإشكال الذي يُنبهنا إليه مثال حادثة العائلة الألبانية هو في التساؤل عما يمكن
أن يحدث في حال تضارب الأعراف . فنحن هاهنا بإزاء مأزق يتعلق بتحديد مدى سلامة
العرف و مساحة قبوله بين الناس . و عند الإشارة إلى هذا الأمر يجب أن نتذكر أن
المجتمعات المعاصرة تواجهنا بواقعٍ تتمازج فيه الإثنيات و الجنسيات الإسلامية بشكل
لم نعرفه من قبل . و إذا أردنا أن نفكر "بأمة" إسلامية فلا بد لنا من أن
نفكر في إمكانية تعايش أفراد وجماعات هذه الأمة بالحد الأدنى من المشاكل و
الإحتكاكات . و تصادم الأعراف في المحلة الواحدة قليل و لا يظهر إلاّ عند تمازج
شرائح لم تعتد التمازج من قبل . فمثلاً في مجتمعاتنا المسلمة كان هناك انعزال نسبي
بين الريف و المدينة من أوائل هذا القرن و حتى الستينيات وربما السبعينيات ، و كان لكلٍ منهما أعرافٌ استقر عليها و رضي بها و انسجم معها ، و
لكن عندما حلت أنماط السياسة و الاقتصاد الجديدة و تداخل الناس بخلفياتهم المتباينة حصل تضارب و اختلاف .
والنقطة التي نريد الوصول إليها هنا هي أن تضارب الأعراف ممكن ووارد حتى في بيئة
مسلمة ، و مشكلة العائلة الألبانية - بعمومها لا بخصوصياتها - تلفت النظر إلى
إشكاليةٍ اجتماعية عامة .
والسؤال
الآن : ماذا نفعل إذا ما تضاربت الأعراف ؟ و بالطبع فالجواب على المستوى النظري
ميسورٌ : إذا كان التضارب بين عرفين أحدهما واضح الحكم و للشرع فيه قولٌ فصلٌ ، فالحكم هنا هو ما يقوله
الشرع ، ذلك أن العرف له اعتبارٌ فقط في حال عدم مخالفته للشرع .. أما الإشكالية
فتظهر عندما يتعلق الأمر بحياة الناس اليومية التي وضع لها الشرع نواظم عامة ولكن لم يحكم في تفاصيلها ، سيما وأن ظهور العرف ونشوءه أصلاً إنما يكون عادةً استجابةً لحاجة المجتمع لتنظيم علائقه في أمور
لا يتعاطاها القانون ، و لصياغة قانونٍ غير مكتوب يُفترض أن يتعامل الناس من خلاله
بيسر وتفاهم .
إذاً ، كيف
يحصل التفاهم إذا كان هناك لقاءٌ بين ثقافتين مختلفتين تنتميان إلى الإسلام ، و
كان هناك بالتالي مجموعتان من الأعراف؟ واضحٌ هنا أن الرجوع إلى الشرع (و المقصود
هنا فقه الأحكام) لا يحل المشكلة لأننا افترضنا أصلاً أن غالب الأعراف هي مما سكت
عنه الشرع ، و أن الشرع يأخذ العرف باعتباره أصلاً . والحاصل أن المطلوب أن يميز
الناس أن سلوكياتهم ليست كلها قواطعَ أتى بها الإسلام ولا يصح غيرها بل هي
تكيُّفاتٌ تصحُّ ويصحُّ غيرها باعتبار أنها استجابة لواقع وزمان معينين .
و الآن يبرز
الإشكال الثاني في قضية إنفاذ العرف و حمايته قانونياً . فهل يحكم القانون بحكم
الأغلبية أم على القانون الاعتراف بأكثر من عرف واحد؟ فإذا قلنا بأن القانون يجب
أن يحكم بعرف الأغلبية ، فهل يكون مخالفة الأغلبية مخالفة شرعية يأثم صاحبها و
يستحق التوبيخ و الإقصاء ، أم أن هذا من خوارم كمال
الخُلق؟ و إذا افترضنا تواجد مجموعات
مسلمة مختلفة و لكل منها عُرفُهُ ، و إذا افترضنا أن المشاركة السياسية-الاجتماعية
من الجميع أمر مطلوب لحياةٍ ميسرة و مسالمة ، فكيف يمكن مشاركتهم إذا كانت أعراف
بعض مجموعاتهم يعاقب عليها القانون أو يزجرها المجتمع ؟ ثمّ أليْسَ مثل هذا
الازدراء أو العقوبة القانونية على أمرٍ ليس بذاته ظاهر الفساد و الشر هو الطريق
إلى تقوقع المجموعة و حنقها (و ربما انفجارها لاحقاً) ؟ أليس هذا هو الطريق إلى العلاقات المتوترة بين
فصائل الأمة و خلفياتها المتباينة ؟..
أما إذا
قلنا أن القانون يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أكثر من عرف مجموعة واحدة فإن الأمر
ليس بهذه البساطة ، لأن وظيفة العرف أصلاً هي ملء "الفراغات" القانونية
. بل يغلب أنه إذا تحول القانون نحو دقائق الأمور ليفصل فيها فإنه يُفسد اليُسر في
حياة الناس ويُقحم حدوداً وتحكمات يمكن أن تصل إلى حد السخف علاوة على ما فيها من
عدم المرونة . ولعلّه من الأولى والأَحكم أن يتنحى القانون عن دائرة الأعراف ويترك
للمجتمع ذاته ولفعالياته اليومية أن تتفق وتنظم المشاكل والعقبات المتكررة .
و إذا كنا
نتكلم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأداةٍ لإنفاذ القانون والشرع بمساواةٍ
على الجميع ، فكيف يجوز (من ناحيةٍ إسلاميةٍ صرفة) إكراهُ إنسانٍ و اتهامُ سلامة
دينه و استقامته ، و هل هناك ذلٌّ أكثر و أعمق من الطعن في أصل إسلامية الفرد ؟ و
ربما إذا حللنا الأمر تحليلاً عميقاً لكان عرف الأغلبية الذي صاغته قانوناً أبعد
عن روح الإسلام من عرف مجموعة أخرى . وهذا الذي يرجح القول بأن الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر يجب أن يبقى "اجتماعياً" لا قانونياً ولا سياسياً .
و هنا نصل
إلى النقطة الأخيرة التي تشكل مدخل الحل و التي يجب أن تكون واضحة الآن ، وهي أنه
لا بد من جلب جميع هذه الأعراف معاً في دائرة حوارٍ طويل يتصل أحد أطرافه بالأعراف
ذاتها وما تعنيه لكل مجموعة من الناس ، و ما هي المشاعر التي تثيرها هذه الأعراف ،
و ما هي المفاهيم التي تترافق معها ، و ما هي الظروف التي نشأت فيها ، و ما هي
الحدود لكل عرف و التي يتوقف العمل به عندها للدخول في دائرة عرفٍ أخرى .. هذا من
جهة ، و من جهة أخرى يتصل هذا الحوار بمصدر الإسلام : القرآن ، و بسنته التطبيقية
ليستلهم منهما خطوطاً عامةً لعرفٍ جديد جامعٍ بين فئات الأمة المختلفة . و بالطبع
فليس المقصود بالحوار هنا جلسةً رسمية لرجال الفقه و القانون ، بل هو أوسع من ذلك
و يشمل قطاعات الناس على مختلف مستوياتها و مناحي اهتمامها .
وعلى سبيل
المثال نعرف أن هناك فرقاً واضحاً
في أعراف الكَرم بين المدينة والريف . فإذا ازدرى المدني أعراف الريفي على أنها
"متأخرة" و "فلاَّحية" وإذا ازدرى الريفي أعرافَ المدني على
أنها "مائعة" وليست نبيلة ، فلا يخفى أن التمازج الاجتماعي يصبح صعباً .
وبالطبع فإن مثل هذا الأمر يتفاقم إذا حاول كل فريق دعم موقفه بنصوص دينية واعتبر
أن هذه المسألة (مسألة أعراف الكرم) إنما هي مسألة دينية بحتة . وإذا استصحب
الفريقان الصيحة المألوفة اليوم في الحركات الإسلامية من أن "القرآن هو
الحل" أو أن الإسلام أتى بكل شئ ولم يفرقوا بين كون الإسلام منطلقاً و إطاراً
لتصرفاتنا نجتهد بناءً عليه في تنظيم حياتنا ، وبين كونه لائحةً و وَصفةً جاهزة
لكل تفاصيل الحياة .. فإن مما لا شك
فيه أن نزاعاتٍ سوف تضطرم حول آلاف من أَشكال التصرفات اليومية وتُعطى هذه الأشكال
أهميةً أكثر من حقها بكثير . إنه لا بد عند الدخول في حوارٍ حول مسألة الأعراف الإدراك
بأنها قضايا مدنية وتأقلمات مع تغيُّر الظروف وليست قضايا مبدئية قاطعة لا يصح
فيها التنوع والتغاير . ولا يخفى بالطبع أن المطلوب هو أن يكون الإسلام على الدوام
هو الموجِّه في عملية التأقلم هذه .
بعبارةٍ
أخرى : لا بد من التجديد الذي تشارك فيه كل فعّاليّات الأمة . فالتجديد هو ملاذ
الناس من الاختلاف والتضارب ، والتجديد ليس عمليةً فكرية منقطعة عن الحياة . و
بالقدر الذي تفاجئنا به هذه النتيجة بالقدر الذي تبدو منطقيةً ومستخلصةً مما سبق
عرضه . بل ربما يمكن القول بأن العرف الذي لا يُجدد هو الذي يُحدث إشكالات و يؤدي
إلى محاذير في حياة الأمة ، حين تقصر الأعراف عن التأقلم مع متغيرات الحياة .
ختاما ، فإن السؤال ليس فيما إذا كان تجديد
الأعراف ضرورياً أم لا ، فالتجديد حاصلٌ لا محالة ، فإما أن يكون لنا يدٌ فيه ، و
إما أن ندع عجلة التاريخ تسحق الأعراف التي انتهى زمانها و تحيلها إلى دائرة العدم
. وإن التحدي لا يكمن في التساؤل المتطاول فيما إذا كان الخير في تغيير الأعراف أم
لا ، وإنما يكمن في كيفية تجديد الأعراف بحيث تبقى منسجمةً
مع التوجيه العام للثقافة الإسلامية و هويتها .