حوار في المقاصد
من أين تنبثق ضرورة الدعوة إلى فقه جديد معاصر ؟ ولماذا
الإلحاح في كثير من المواقع على مصطلحات الاجتهاد والتجديد ؟ هذه أسئلة حساسة لا
يمكن الإجابة عليها دون معرفة عميقة بأبعاد التحدي الذي تفرضه طبيعة الإسلام (وهو
الرسالة العالمية الخاتمة) ، من حيث تأكيد صلاحيته وخلوده وقدرته على توليد إجابات
أصيلة لأسئلة العصر وحوادثه وأقضيته المتجددة . وتأتي إشكالية القصور والاختزال
الذي تؤول إليه المحاولات التقليدية المتكررة لشد ومد التراث الفقهي والفكري
لعلمائنا الأعلام ، في محاولة لسحبه على واقع أمتنا والواقع العالمي المعاصر بحيث
يجيب على جميع أسئلته ويعالج جميع مستجداته ، تأتي تلك الإشكالية لتكون سببا
إضافيا في تلك الدعوات إلى فقه معاصر ، وإلى ضرورة التجديد والاجتهاد ، وذلك من
منطلق خصوصية السياق التاريخي والاجتماعي والاقتصادي لعطاء أولئك الأئمة الأعلام
السابقين ، وذهول أصحاب محاولات الشد والمد أو غفلتهم عن تلك الخصوصية ، وعن ضرورة
استصحاب خصوصية هذا الزمان وسياقه - بالمقابل - في الأحكام والفتاوى المتعلقة
بأقضيته وحوادثه .
إن من الممكن عند متابعة واستقراء تلك الدعوات التي تصدر
عن مواقع متعددة في الأمة إلى ضرورة الاجتهاد والتجديد ، رؤية خط ناظم يجمع بين
مختلف وجهات النظر يتمثل في الاهتمام بمقاصد الشريعة ، وبالدراسات والمصنفات التي
تهتم بتنزيل فقه الأحكام ، واعتبار الواقع والعرف ومآل التصرفات . فلا تكاد تجد
بحثا فكرياً أو محاولة فقهية إلا ويتضمن الاستفادة أو الإشارة أو الإحالة إلى
ماكتبه الشاطبي في الموافقات ، مؤصلا فيه هذا العلم ، أو إلى ماكتبه ابن القيم في
"إعلام الموقعين" ، أو إلى مفاهيم المصلحة والمنفعة والاستصلاح والتعليل
بشكل عام .
ولا أدل على هذا الاهتمام من أن المعهد العالمي للفكر
الإسلامي أصدر ثلاثة دراسات رائدة في موضوع المقاصد ، إضافة إلى دراسات رائدة أخرى
نخص بالذكر منها على سبيل المثال دراسة نشأة علم المقاصد للأستاذ عبد المجيد
الصغير . وإذا كانت هذه الدراسات الرائدة لموضوع المقاصد قد فتحت هذا الملف الخطير
، وكانت مؤشرا على أن الاهتمام بقضية الاجتهاد والتجديد في الأمة انتقل من مرحلة
طرح الفكرة والدعوة إليها ، إلى ممارسة البحث فيها ، فإن من المناسب في هذه الفترة
الانتقالية توسيع دائرة الحوار والبحث لكي يشمل تحرير المقاصد نفسها ، أو على وجه
أدق ، تحرير آفاق المقاصد.
إن من الملفت للنظر في جميع الدراسات المقاصدية المعاصرة
، اقتصار النظر والبحث على أهمية المقاصد وتاريخ النظر إلى هذه القضية . ولكن
المطلوب بإلحاح في هذه المرحلة إنما يتمثل في تحديد حقيقة معنى المقاصد الشرعية من
حيث تعريفها وآفاقها ، بما يساعد الدارس على رسم إطار إسلامي للقضايا والمشكلات
المعاصرة التي يعالجها . وهو مايكاد يكون هامشيا أو في المساحة الظليلية من تلك
الأبحاث .
وحتى يتضح مرادنا من الكلام ، فإن المقاصد الشرعية
بتقسيمها الخماسي ، والمتمثلة في حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال ، وإن
مراتب المقاصد الشرعية بتقسيمها الثلاثي المتمثل بالضروريات والحاجيات والتحسينيات
، استمرت على ماهي عليه كما وضعها رائد علم المقاصد الإمام الجويني ، وتابعه عليها
الإمام الغزالي ، وأخيرا كما أصَّلها وصاغها شيخ المقاصد الإمام الشاطبي . بينما
كان إسهام الدراسات المقاصدية المعاصرة في تقديم إضافاتٍ نوعية قليلاً نسبياً في
هذا المجال ، من مثل انتاج الإمام ابن عاشور الذي بدأ بما يمكن أن نسميه (توسيع
آفاق المقاصد) عند مناقشته لقضية الحرية ومفهوم الفطرة ، أو ماطرحه الدكتور حامد
العالم من كون التعلم مثالا على حفظ العقل ..
ولابد من التأكيد - رغم ذلك - إلى أننا لانقصد بهذا
الكلام نفي وجود كثيرٍ من الإشارات والأفكار المضيئة ، والمنبثقة عن فهم متجدد
للمقاصد ، في بعض الكتابات الفكرية أو الفقهية المعاصرة ، من مثل أعمال الشيخين
الفاضلين محمد الغزالي ويوسف القرضاوي ، وبعض الدراسات أو الرسائل الجامعية .
وإنما نريد بهذا التحليل التنبيه على غياب المحاولات العلمية والأصولية المتكاملة
في هذا المجال والمخصصة له .
إن التعامل مع موضوع المقاصد بشكل يبث روح الحياة فيه ،
ويمتد بتأثيراته الخطيرة ، و يوسع آفاقه بحيث تحيط بدوائر أوسع من فعاليات النشاط
البشري ، يتطلب إعادة النظر في صياغة المقاصد الشرعية على أنها تنحصر في مجرد
"حفظ" الكليات الخمسة المعروفة . فإذا كانت هذه الكليات الخمسة قد
استنبطت من الاستقراء لنصوص الشريعة وأحكامها ، فإن استعمال مصطلح (الحفظ) للدلالة
على معنى إقامة هذه الكليات ورعايتها وتأصيلها ، بل وتأسيسها لتكون حاكمة على حياة
الناس وتصرفاتهم ، وتزكية حياتهم بها ، قد يشوبه بعض القصور الذي يستدعي إعادة
النظر والتحليل . ذلك أن من الواضح أن (الحفظ) يستدعي معنىً سكونياً لا أثر فيه
للحركة والتزكية والحيوية والنماء .
1) فحفظ (الدين) يُختَزَلُ إلى حفظ النص المكتوب
وبالتالي حفظ الأشكال والرسوم والحدود ، ولايتجاوز إلى الإشارة إلى ضرورة حفظ
المضامين والأهداف والمقاصد والغايات . والفرق أن الفهم الأول سيُنْتِجُ رؤيةً
عامةً لدور (الدين) في حياة الإنسان ، ولوسائل القياس والاستنباط ، ثم للفتاوى
والأحكام المنبثقة عنها ، أكثر محدودية وأضيق مساحة وأقل آفاقا من الفهم الثاني ،
الذي يمتلك القدرة الحيوية المطلوبة على الامتداد ، و على تغطية مساحات واسعة من
فعاليات الحياة الإنسانية ، و على التعامل معها بشكل يبث فيها روح الحياة ، و
يُطلق فيها معاني الحركة و النماء و التزكية .
2) وحفظ (النفس) يُختَزَلُ إلى حفظ أصل الحياة
فقط ، وتضمر فيه العلاقة بقيم الحرية والكرامة والعزة ، التي لامعنى للحياة
الإنسانية بدونها . ويتأكد اختزال المعنى وضموره البالغ عندما نرى إفراد حرمة القتل
فقط على أنها المثال على هذه الكلية الشرعية ، بينما تخرج عناصر الحياة الأخرى من
دائرة الاهتمام ، فلا يرد ذكر انتهاك الكرامة والحرية الإنسانية ، في الأدبيات
الفقهية على سبيل المثال ، على أنه خرق أساسي وتجاوز خطير لمعنى حفظ (النفس) ، رغم
كل النصوص الثابتة والمتواترة التي تؤكد على ارتباط هذه المعاني العميق بأصل وجود
تلك (النفس) ، وعلى قيمتها الرمزية البالغة المنبثقة من كونها منحةً وهبةً من
الخالق الكريم . فضلا عن الأمر الخطير المتمثل في تأكيد نصوص القرآن والسنة بشكل
متكرر على اعتبار تلك المعاني علامة التميز عن باقي المخلوقات ، وكونها مناط التكليف أصلا وقبل كل شيء
آخر .
3) وحفظ (النسل) يُختَزَلُ إلى مستوى حفظ
النطفة في الرحم ، ولا تتم الإشارة إلى أي معنى وراء هذا الأفق الفيزيائي البحت .
ثم يتأكد هذا الاختزال عندما نرى إفرادَ حرمة الزنا كمثال على هذه الكلية الشرعية
. بينما تغيب كل المعاني الأصيلة الكامنة وراء وجود الأسرة كوحدة أساسية للوجود
الحضاري البشري على هذه الأرض ، وللآفاق الواسعة لعلاقة الرجل بالمرأة في الحياة ،
فيما وراء الاتصال الجسدي المباشر ، ولأدوار ومهمات كل منهما لتحقيق ذلك الوجود .
وتغيب الإشارة - أخيرا - إلى دور المعاني الكامنة في كلية (حفظ النسل) في توفير
وتأصيل وتزكية الشروط والعوامل التي تساعد على حفظ تلك الوحدة ، وتنظيم تلك
العلاقة ، وتأدية تلك الأدوار والواجبات .
4) وحفظ (العقل) يُختَزَلُ إلى مجرد حفظ الوعي
والإدراك الحسي الخارجي الظاهر ، وتُغفل فيه الإشارة إلى ماينبغي أن ينتج عن وجود
ذلك (العقل) أو الإدراك الخارجي الظاهر ، بحيث لا يقف الأمر عند مجرد (وجوده) ، بل
تتم الدعوة إلى تأسيس وتأصيل و تزكية المعاني و الممارسات التي تعطي العقل دوره
ليؤدي وظيفته في حياة الفرد والأمة. وإن مما يؤكد ذلك الاختزال إفرادُ حرمة شرب
الخمر كمثالٍ على هذه الكلية في مجمل كتب الأصول . لتكون النتيجة في هذا الزمان
واقعاً يجمع للأسف بين إنسانٍ يجتنب الخمر (في مُمارسةٍ هي في حقيقتها التزامٌ
بمعنى حفظ العقل في حدها الأدنى) ، ولكنه - في الوقت نفسه - غيرُ قادرٍ على التفكير
والاستفادة من مصادر المعرفة والتعامل مع الكون بمنطق الأسباب ، ليكون قادرا على
تأمين الكفاية والمَنَعة . بينما ينطلق إنسانٌ آخر في مواقعَ أُخرى - وهولايلتزم
باجتناب الخمر ، ويخرق معنى حفظ العقل بكل وضوح - لِيجُوبَ آفاق الكون ، ويكتشف
سنن الحياة ، ويتعامل بمنطق الأسباب ، ويتحكم في مصائر البلاد والعباد ، في
مُقابلةٍ مأساويةٍ وظالمةٍ لانود الدخول في تفاصيلها ، لكي لا (يكتشف) بعض
(الأذكياء) في كلامنا إباحةً لِمُحَرَّمٍ ، أو ربما دعوةً إلى شرب الخمر على أنها
سبيل البناء والتغيير ...
5) وأما حفظ (المال) فإنه يقتصر في أغلب الأحيان
على الحفظ المادي البحت ، ولاتوجد الإشارة فيه إلى مجمل معاني السعي في الأرض
والتنمية والعمل والبناء ، ولايوحي بالآفاق والأبعاد الاجتماعية والجماعية لوجود
المال وحركته في الحياة بين الناس . ويتأكد هذا الاختزال بإفراد حرمة السرقة وحد القطع
للدلالة على هذه الكلية الشرعية . أما إهدار المال الخاص والعام ، و تحكم العقلية
الاستهلاكية، والفارق بين توظيف المال في المشاريع الانتاجية والاستهلاكية ، وأثر
ذلك كله في تحقيق المقاصد الكبرى للشريعة على مستوى الجماعة البشرية ، أو حتى على
مصير أفراد الأمة في الدنيا والآخرة ، أما كل ذلك فنادرا ما تتم الإشارة إليه على
مستوى كتب الفقه والأصول .
وهكذا يمكننا أن نرى ملامح الاختزال في مجمل الطروحات
الأصولية الفقهية التي تتناول تلك الكليات الشرعية من منطلق "الحفظ"
السكوني البعيد عن التنمية والتزكية والارتقاء ، إلى درجة تفقد معها عملية الفهم
المقاصدي للشريعة كل الحيوية والطاقة الكامنة فيها . وتفقد مبرر وجودها والحديث
فيها . وبهذا تضيع أيضا المعالم المميزة للدور الخطير الذي ينتظر علم المقاصد ،
والمتمثل في ردم الفجوة بين هدي القرآن والسنة من جهة ، وواقع الناس في قضاياهم
ومعايشهم من جهة ثانية .
من هنا ، فإننا نرى أن إبقاء المقاصد على صورتها
التاريخية وأمثلتها التاريخية ، وعلى أطرها وآفاقها المحددة ، سيجهض الدور الذي
ينتظر هذا العلم ، مالم ينتهض لهذه المهمة الدارسون والباحثون لتأصيل المقاصد
وتوسيع آفاقها ومعانيها ، بما يجعلها وسيلة الربط الفعالة بين واقع شارد يمثل حال
أمتنا وحال البشرية اليوم ، وقمة الهدي الإلهي الخالد الذي قررته الرسالة الخاتمة.