المركز الأمريكي لدراسات الثقافة والحضارة
(الضرورة - الفكرة - الأهداف
- الوسائل)
لاشك أن الخطوة الأولى في أي مشروع جديد إنما تتمثل في
تحرير مدى الحاجة إليه ، وفي وضوح درجة أهمية وحيوية الوظيفة التي ظهر المشروع
للقيام بها ضمن الصورة الكلية لحركة الأمة الفكرية والعملية على حد سواء. وغني
عن القول أن ذلك التحرير وهذا الوضوح يجب أن يتوافرا عند أصحاب المشروع من جهة،
وعند الشرائح التي تهتم وتتأثر بوظيفة المشروع من أبناء الأمة من جهة ثانية . ذلك
أن توافر الوضوح والقناعة التي يمكن أن تنتج عنه يستتبعان موقفا جديا حاسماً
وملتزماً يسير بالمشروع قدما في مسارات النمو والعطاء نحو تحقيق أهدافه
والقيام بدوره المطلوب على الوجه الأكمل.
ولاشك أيضا أن هناك شعورا عاما يتجذر
اليوم في وعي شرائح الأمة التي تعمل في ساحات الفكر والحركة بالحاجة إلى نقلة
شاملة في عملية فهم الواقع ومعالجته من العفوية والحماسة إلى التخصص، ومن السطحية
والسذاجة إلى المنهجية، ومن الفردية والجزئية إلى الشمولية وعقلية المؤسسات.
من هنا ، تتجلى ضرورة ظهور مؤسسات بحثية ودراسية متنوعة
تتصف بخصائص تلك النقلة المطلوبة ، وتتوزع في كل مكان أخرج الله المسلمين إليه من
أرضه الواسعة ، تقرأفيه (باسم الله)
الكتاب المسطور والكون المنظور ، وتقرأ سنن الآفاق والأنفس ، وتقرأ حضارة
(الآخر) وتاريخه بكل مافي الوسع البشري من قدرة وأصالة وانفتاح. ولعل من حكمة الله
سبحانه أن نوع ذلك الخروج للمسلمين اليوم في شتى بقاع الأرض لكي يخرجوا بالإسلام
من قوقعة المحلية وضيق الإقليمية إلى رحابة العالمية وفسحة الإنسانية الكبرى ،
ولكي يدركوا بعمق ترابط الظواهر بين الدوائر المحلية والإقليمية والعالمية ، ثم
لكي يشعروا عمليا بحقيقة كون الإسلام رحمة مهداة للعالمين وسبيل الخروج من الأزمات
الحضارية العالمية المعاصرة.
ونحن إذا استحضرنا الدور المتميز الذي تلعبه الحضارة
الغربية اليوم في تشكيل وتوجيه طرق التفكير والحياة وفلسفة الغاية من الوجود
البشري عبر نتاجها الثقافي العام وتطبيقاته العملية ، أمكننا رؤية مدى الإلحاح في
أن يكون لمثل تلك المؤسسات الفكرية موطأ قدم فعال في موقع القيادة من تلك الحضارة
متمثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية .
رغم ذلك ، فإن المعاصرة بمعناها الدقيق تفرض على العقل
المسلم اليوم التأمل في مجموعة من الحقائق التي أصبح تجاوزها يشير إلى غياب كبير
عن واقع العالم والعصر والتي صار استحضارها ضروريا عند التفكير في أهمية وحساسية
مثل هذه المشاريع الثقافية والفكرية:
1.
حقيقة التداخل في ظواهر الواقع
العالمي على جميع الأصعدة ثقافيا وسياسيا واقتصاديا..وما يقتضيه هذا من رؤية
شاملة ومتكاملة (داخليا) و(خارجيا) لتلك الظواهر المتشابكة.
2.
حقيقة تعدد واتساع حجم الثغور والمهام التي يجب أن تغطيها شرائح الأمة ، ومايقتضيه
هذا من توزيع واسع للأدوار والوظائف التي يستحيل على جهة واحدة في موقع واحد
القيام بها بإتقان وفعالية...
3.
حقيقة ثورة الاتصالات والمعلومات التي باتت علامة العصر الفارقة ، والتي قلصت إلى
حد كبير إمكانية الانقطاع العقدي والحضاري والعملي عن واقع الأمة وهمومها
وهويتها الخاصة، ووفرت - في نفس الوقت - أكبر إمكانيات الإتصال والتنسيق و
الحوار والتواصل.
4.
حقيقة وطبيعة الحجم الكمي والنوعي للوجود الإسلامي في الغرب عامة وفي أمريكا
بشكل خاص، وهو وجود يمكن القول أنه وصل إلى مرحلة من الحضور والاستقرار النفسي
والفكري والعملي تجاوزت رؤيته على أنه شراذم منعزلة بعيدة عن جسم الأمة وواقعها ،
وفي تاريخنا شواهد لاحصر لها على قدرة مواقع بعيدة وصل إليها الإسلام - بعد وصولها
إلى مرحلة الاستقرار المذكورة - على توليد طاقات متميزة ساهمت بشكل مقدر وأساسي في
رسم صورة الواقع الإسلامي العام .
ولذلك كانت فكرة المركز وعنوانه منذ اللحظة الأولى مثالا
عمليا على محاولة امتلاك ذلك الفهم ، وعلى الانتقال المطلوب في عقل الإنسان
المسلم:
· من عقلية (الهواية)
إلى (التخصص).
· ومن عقلية (المعالجة
العشوائية) إلى (العقلية البحثية).
· ومن العقلية (الذرية
أحادية النظر) إلى (الشمولية) التي تدرك ترابط الظواهر.
· ومن عقلية (المحلية)
و(الإقليمية) إلى (العالمية) و(الإنسانية).
·
ومن عقلية (الفردية) إلى (المؤسساتية).
لاشك أن تحديد أهداف عمل ما ووسائله لتحقيق تلك الأهداف
يجب أن ينضبطا بمنهج عقلي وإداري متوازن يستحضر الواقع والإمكانات ويتطلع إلى
الآمال والطموحات ، ولذلك فإن تحديد الأولويات وفقا للحاجة والإمكان خلال
مسيرة العمل يمثل الضامن إلى ضبط ذلك التوازن المطلوب ، فلا يمنعنا الواقع من
تحديد هدف طموح منذ البداية ، ولايدفعنا الحماس إلى محاولة القفز على الواقع
وتحقيق مجمل الأهداف دفعة واحدة..وإنما نعمل من خلال الدراسة والتشاور
والتخطيط على استخدام الموارد المتوافرة بأقصى فعالية لتحقيق الممكن ، ثم
نستصحب مدى الاستجابة والتفاعل في الانتقال إلى خطوات متقدمة..من هنا فإن أهداف
المركز هي:
إبراز الوجه الحضاري والثقافي والفكري للإشكالية التي
تواجه الأمة ، سواء كان ذلك على الصعيد الداخلي ، أو على صعيد وجودها وعلاقتها مع
حضارة الآخر على جميع المستويات.
إبراز أثر وخطورة الإطار الحضاري المعرفي الذي يحكم
رؤية الإنسان العامة وحركته العلمية والعملية ، وطريقة بنائه للحضارة ، وعلاقته مع
الخالق والكون والإنسان.
المساهمة في دراسة الواقع الإسلامي ، والمشاركة في
تحقيق (فقه الواقع) من منظور تخصصي علمي يمتلك مقومات الأصالة وآليات المعاصرة
وتعدد زوايا الرؤية والنظر.
توعية الطلاب العرب والمسلمين في اتجاه العلوم
الاجتماعية والإنسانية من مركز رؤية إسلامي وذلك بغية:
~ تأصيل
وتعميق الفهم في مسائل فاصلة في حياة الأمة (على صعيد التاريخ والواقع).
~ إبراز
المشكلة المنهجية للعلوم المعاصرة في إطارها المعرفي الغربي.
~ التوجه
نحو التفكير ببناء نماذج وأطر وطروح بديلة.
المساهمة في بناء وتطوير أطر وأنساق إسلامية في فروع
المعرفة والعلوم الاجتماعية والإنسانية وفي تطبيقات العلوم الكونية والطبيعية
تنبثق من الخصوصية الثقافية والحضارية الإسلامية.
عقد ندوات بحثية
موجهة نحو طلاب الدراسات العليا (ورشة عمل - دورة مكثفة).
إقامة دورات (عامة
وتخصصية) يحاضر فيها متخصصون مسلمون.
تجميع المراجع ذات
التوجهات الفكرية الأصيلة ، وذات التطلعات التجديدية الإسلامية.
مراجعة كتب وأبحاث
وتقديم ملخصات ودراسات عنها.
الحضور والمشاركة في
المؤتمرات العلمية وتقديم تقارير عنها.
تسهيل ربط الطلاب
فيما بينهم وبالمتخصصين المسلمين.
إصدار الكتيبات
والأشرطة السمعية والمرئية وطباعة الرسائل والدراسات التأصيلية والنقدية
والتجديدية.
تجميع وتحرير خطط
بحثية مقترحة تتوجه نحو بناء نموذج إسلامي بديل.
وبعد..فإنه غني عن القول أن الأصل في مثل هذه
المؤسسات أن تكون من الأمة ولها وإليها..بمعنى أن تكون مفتوحة القلب والعقل
والصدر لأقصى درجات الحوار والنصح فيما لايحرفها عن تحقيق دورها وأهدافها
الأساسية. وإذا كان مما يخالف طبائع الوجود أن يتوقع متوقع غياب الصعوبات والعوائق
من كل لون في مسيرة مثل هذه المشاريع ، فإن الأمل أولا وأخيرا إنما يكمن في مباركة
الله وتسديده وتصويبه للنية والعمل ، ثم في الجهد والتخطيط وتفاعل الأمة
وقناعتها بضرورة مثل هذا التوجه ودوره الأساسي في الحركة العامة للأمة نحو تحقيق
الظهور الحضاري المنتظر لهذه الأمة ولهذا الدين.