نظرات في إشكالية الترجمة

 

لاتبدأ أي حضارة تكوينها وعطاءها من فراغ أو من نقطة الصفر ، وإنما تغترف  - خاصة في مراحل نموها الأولى ، أو في مراحل الاستعادة الحضارية - من التراث البشري العام ، بما يتناسب مع هويتها الخاصة وإطارها المعرفي المميز. ولما كانت عملية الترجمة تمثل عاملا أساسيا وهاما فإن فيها بعض الإشكاليات التي يجب أن تكون موضع انتباه ودراسة.

إن لغة أي أمة إنما هو وعاء حضارتها ، ومفردات اللغة تحمل دوما مزيجا من الدلالات الحسية والنفسية التي تشير إلى خصائص ومكونات تلك الحضارة بشكل يصعب معه عند ممارسة عملية الترجمة والنقل تجاوز تلك الدلالات اللصيقة والهروب من تأثيرها المحتوم، ومايحدث غالبا أن الكلمة  تؤخذ من نسق حضاري معين وتُترجم لكي توضع إطارا لمعنىً من المعاني في نسق حضاري آخر ، فتنقل معها قليلا أو كثيرا من الدلالات المنبثقة من خصوصية موقع الولادة الحضاري الأصلي لتلك الكلمة ، دون أن يكون ذلك من أهداف المترجم أو في حساباته، لتتسبب تلك العملية - في بعض الأحوال - في إحداث تشويش على المعنى المقصود في النسق الحضاري الذي نُقلت إليه ، ويكون ذلك إما بأن تُلحِق  بشكل كامل المعنى المراد والفكرة التي أُريد خدمتها بالنسق الآخر لغويا بادئ الأمر ثم فكريا ونفسيا بعد ذلك بتراكم الاستعمال ، أو بأن تَفرِض حضورا خارجيا تُضيفه كجسم غريب على المعنى المراد وهو لاينسجم ولايتناسق بالضرورة معه في أي شكل من الأشكال ، وتكون المحصلة في الحالتين بعيدة عن تحقيق هدف الترجمة الأصيل..

رغم ذلك ، فإن هذا التحليل لايؤخذ بإطلاقه ليُعمم في جميع الحالات ، فمن المعلوم شرعا ومنطقا أنه (لامشاحة في الاصطلاح) وأن المسلمين دوما كانوا أكثر من مارس عملية الترجمة للنتاج الحضاري (للآخر ) بهذا الحجم في التاريخ البشري ، ورغم ضرورة دراسة  أثر النتائج الإيجابية والسلبية لحركة الترجمة الواسعة تلك ، فإن حركة الترجمة نشاط لابد منه لاستمرارية عملية التواصل والتعارف البشري التي تمثل غاية ومَعلما من غايات ومعالم الوجود البشري على هذه الأرض.

فما هو الطريق للخروج من هذه المفارقة ؟ ومتى تكون ترجمة كلمة أو مصطلح ممارسةً لعملية الإلحاق الفكري أو النفسي (بالآخر) ، وسببا لتشويه أصالة المعنى وتألقه ؟ ومتى تكون العملية نفسها - بالمقابل - انفتاحا وطلاقة ومرونة وتواصلا مطلوبا لتحقيق غاية كبرى من خلق الإنسان ؟..

تلك هي بعض الأسئلة الهامة التي ستحاول هذه الزاوية ، بالإضافة إلى الزوايا الأخرى ذات العلاقة ، الإجابة عليها عبر البحث والحوار والمدارسة.

الفلسفة:

 تُعتبر الفلسفة في الغرب أصل الرؤية التي تحكم حياة الإنسان ونظرته إلى الوجود ، وهي تاريخيا وأكاديميا أصل العلوم جميعا وبالتحديد العلوم الاجتماعية التي وُلدت من رحمها وتفرعت عنها ، ورغم أن الانتباه تحول عنها عمليا كأداة لتحديد المرجعيات وتفسير الظواهر بسبب ازدياد التأكيد المفرط في الغرب على التخصص والتفريع الذي تصاحبه تقسيمات حادة ورؤى أحادية ، إلا أن الكلمة لاتزال لغويا تشير إلى معنى العقيدة والتوجه العام للإنسان.

أما عند المسلمين فالمعنى التاريخي للكلمة مرتبط بالعلوم والمعارف ذات الأصل اليوناني والروماني وذات العلاقة بالمنطق وعلم الكلام .. أما المعنى العامي الشائع فيرتبط غالبا بالسفسطائية والبحث فيما لاطائل من ورائه سوى غاية البحث ..

وفي جميع الأحوال ، لايحمل المصطلح باللغة العربية معنى العقيدة أو الرؤية الشمولية للكون والإنسان والوجود.وعادة ماتظهر الإشكالية عند ترجمة مثل هذا المصطلح ، أو حتى عند استعماله ابتداءً في الكتابات العربية في هذه النقطة بالذات ، والتي يجب تحريرها في ذهن الكاتب أولا بأن يحدد هو تماما المعنى الذي يريده و يحسن اختيار المصطلح المناسب له ، ثم في ذهن القارئ أو المستمع عبر إشارة تومئ إلى المعنى المقصود ، ولو كانت عن طريق كلمة مرادفة أخرى تحمل ظلاله وآفاقه.

وربما كان من المناسب الاقتراح هنا بأن تُستخدم في معرض الدلالة على معاني التوجه العام الذي يحكم رؤية الإنسان المسلم وحياته مصطلحات أخرى مثل العقيدة أو الخيار الحضاري وماإليه من المصطلحات التي تمد دلالة مصطلح (الفلسفة) من المعاني المألوفة بالعربية إلى المعنى المراد من استعمالها في الغرب .