أولويات الأحكام الشرعية
أ. رياض أدهمي
مفهوم
الأولويات في اعتبار
الأحكام الشرعية
مفهوم شرعي
أصيل
مبثوث
في
آيات
القران
الكريم
والأحاديث
النبوية
الشريفة
وفتاوى
العلماء
والمجتهدين.
ومعرفة
الأولويات
ومعرفة
ترتيبها
وضوابطها
تعين
المسلم
على
الخروج
من
الحيرة
والتردد
عندما
تواجهه
الحياة
بمشكلات
وأحوال
يصعب
ردها
الى
احاد
الأحكام
والفتاوى
التي
صيغت
ودوِّنت
في
إطار
نظري
لا
يعطي
في
الغالب
الوضع
النسبي
للفتوى
أو
الحكم
من
مجمل
احكام
الشريعة.
ومفهوم
الأولويات
في
اعتبار
الأحكام
الشرعية
هو
الذي
يعين
على
تقدير
الخصوصيات
التي
تؤثر
على
اختيار
حل
من
الحلول
المتعددة
والذي
يحقق
أكبر
قدر
من
المصالح
المعتبرة
حسب
اختلاف
الأمكنة
والأزمنة
والأشخاص.
ومعرفة
الاولويات
في
اعتبار
الأحكام
الشرعية
لا
تختص
ولا
تنحصر
بالمختصين
من
المشتغلين
بالفتوى
واستنباط
الاحكام،
لان
كل
مسلم
مطالب
بتنزيل
الاحكام
الشرعية
المطلقة
على
واقعه
النسبي،
ومطالب
بالاجتهاد
في
تحقيق
المناط
الذي
يمكن
أن
يعرف
بأنه
واجب
المسلم
في
معرفة
تعلق
الحكم
الشرعي
بالحالة
التي
يواجهها،
ومطالب
كذلك
بالتأكد
من
أن
هذا
الحكم
الشرعي
لا
يزاحمه
ولا
يتقدمه
في
الاعتبار
-في حالته-
حكم
شرعي
اخر.
فإذا
عرف
المسلم
قول
الله تعالى
(إنما
الصدقات
للفقراء)
فهو مطالب
بالتحقق
من
وجود
وصف
الفقر
في
من
يؤدي
له
صدقته،
ومطالب
كذلك
بمعرفة
أولويات
الانفاق
(إبدأ بنفسك
ثم
بمن
تعول...)
و(كفى بالمرء
إثماً
أن
يضيع
من
يعول). وإذا
عرف
المسلم
قول
الله تعالى (يا
أيها
الذين
امنوا
إذا
قمتم
الى
الصلاة
فاغسلوا...
وإن كنتم
جنباً
فاطهروا...
) فهو مطالب
بالتحقق
من
وجود
وصف
الماء
المطلق
الذي
يجوز
الغسل
به،
وهو
مطالب
كذلك
بمعرفة
ما
يتقدم
على
واجب
الغسل
في
حالة
المشقة
أو
المرض
( قتلوه قتلهم
ا،
ألا
سألوا
إذا
لم
يعلموا).
فالأحكام
الشرعية
هي
منظومة
من
الأحكام
المرتبة
شاقولياً
حسب
الأهمية،
وليست
مجموعة
من
الأحكام
المتساوية
في
صلاحيتها
ومناسبتها
للتطبيق
بترتيب
أفقي
مطلق.
ومن
الملفت
للنظر
أن
القران
الكريم
عرض
كثيراً
من
الأحكام
الشرعية
بصورة
توحي
بوجوب
اعتبار
ظروف
التطبيق
أو
الوضع
النسبي
للحكم
من
جملة
الأحكام
وهو
ما
أسميناه
بمفهوم
الأولويات.
مثلاً قوله تعالى )إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِّل به لغير ا
فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه، إن الله غفور رحيم) البقرة-173. فقد نقل ابن كثير عن مسروق قوله فمن اضطر فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار. والآية تقدم حفظ الحياة على حرمة تناول الاطعمة الخبيثة.
(فمن
شهد
منكم
الشهر
فليصمه،
ومن
كان
مريضاً
أو
على
سفر
فعدة
من
أيام
أُخر)
البقرة ـ
185. والآية
تقدم
اعتبار
المرض
ومشقة
السفر
على
واجب
الصوم
في
الشهر
المحدد.
(ولا
تحلقوا
رؤوسكم
حتى
يبلغ
الهدي
محِلَّه،
فمن
كان
منكم
مريضاً
أو
به
أذى
من
رأسه
ففدية
من
صيام
أو
صدقة
أو
نسك)
البقرة ـ
196. والآية
تقدم اعتبار
المرض
على
واجب
ترتيب
مناسك
الحج.
(فإن
خفتم
ألا
يقيما
حدود
ا
فلا
جناح
عليهما
فيما
افتدت
به)
البقرة ـ
229. والآية
تقرر أن
احترام
المسلم
والبعد
به
عن
موارد
المشقة
والعسر
مقدم
على
كراهة
الطلاق
وفسخ
الزوجية.
(ومن
لم
يستطع
منكم
طولاً
أن
ينكح
المحصنات
المؤمنات،
فمما
ملكت
أيمانكم
من
فتياتكم
المؤمنات... ذلك
لمن
خشي
العنت
منكم
وأن
تصبروا
خير
لكم)
النساء ـ
25. والآية
تقرر أن
الزواج
بالإماء
وما
يتبعه
من
العبودية
لأولادهن
أخف
ضرراً
من
الوقوع
في
الفاحشة.
(والذين
امنوا
ولم
يهاجروا
ما
لكم
من
ولايتهم
في
شيء
حتى
يهاجروا،
وإن
استنصروكم
في
الدِّين
فعليكم
النصر
إلا
على
قوم
بينكم
وبينهم
ميثاق)
الأنفال ـ
72.
والآية
تقرر أن
الوفاء
بالعهد
والميثاق
مقدم
على
واجب
نصر
المسلم
ومساعدته.
(وابتلوا
اليتامى
حتى
اذا
بلغوا
النكاح
فإن
آنستم
منهم
رشداً
فادفعوا
إليهم
أموالهم
ولا
تأكلوها
إسرافاً
وبداراً
أن
يكبروا
ومن
كان
غنياً
فليستعفف
ومن
كان
فقيراً
فليأكل
بالمعروف)
النساء.
والآية تقدم
حفظ
حياة
الكفيل
الفقير
على
الأمر
باجتناب
أخذ
مال
اليتيم.
(وإن
كنتم
جنباً
فاطهروا،
وإن
كنتم
مرضى
أو
على
سفر
أو
جاء
أحد
منكم
من
الغائط
أو
لامستم
النساء
فلم
تجدوا
ماء
فتيمموا
صعيداً
طيباً)
المائدة ـ
6. والاية
تقدم
اعتبار
المرض
أو
المشقة
على
وجوب
التطهر
بالماء.
(إنما
يفتري
الكذب
الذين
لا
يؤمنون
بايات
ا
وأولئك
هم
الكاذبون،
من
كفر
با
من
بعد
إيمانه
إلا
من
أُكره
وقلبه
مطمئن
بالإيمان).
النحل ـ
105. نـزلت
الآيات
في
عمار
بن
ياسر،
عذبه
المشركون
حتى
أعطاهم
ما
أرادوا
مُكرهاً،
فأتى
النبي
صلى
الله عليه
وسلم
وهو
يبكي،
فقال
له
رسول
الله
(ص) كيف تجد
قلبك؟
قال
مطمئن
بالايمان، قال: فإن
عادوا
فعد. والآية
تقدم
اعتبار
حفظ
النفس
على
واجب
حفظ
اللسان
عما
يعارض
الإيمان.
والتأمل
في
الآيات
السابقة
يدلنا
على
أن
القران
الكريم
لم
يأت
بأوامر
مطلقة
مجردة
عن
اعتبار
الزمان
والمكان
والأشخاص،
ولكن
الأوامر
والتوجيهات
كانت
تأتي
مع
إشارات
واضحة
إلى
اعتبار
ظروف
التطبيق
وتقرر
البديل
الذي
يناسب
حال
المكلف
ويخرج
به
عن
موارد
المشقة
والعسر
والحرج،
وهذا
الاعتبار
لظروف
تطبيق
الأوامر
الشرعية
هو
ما
يمكن
أن
يسمى
(اعتبار الأولويات).
فإذا
انتقلنا
الى
سنة
النبي
(ص) وجدنا معنى
اعتبار
الأولويات
مبثوثاً
في
كثير
من
المواقف
والتعليقات
والأوامر
والتوجيهات
التي
تلقاها
الصحابة
الكرام
وفهموا
منها
ترتيب
أولويات
الاحكام
الشرعية:
خرج
جماعة من
أصحاب
رسول
الله (ص) في سفر
فأصابت
أحدهم
شجة
في
رأسه
ثم
اصابته
الجنابة،
فسأل
أصحابه
فقالوا: لا
نرى
لك
الا
أن
تغتسل
فاغتسل
فمات،
فلما
رجعوا
الى
النبي
(ص)
سألوه
فقال:
(قتلوه قتلهم
الله، ألا
سألوا
إذا
لم
يعلموا،
إنما
شفاء
العي
السؤال)
رواه أبو
داود
وابن
ماجه.
والحديث
يقرر
أن
اعتبار
رخصة
التيمم
مقدم
على
واجب
الغسل
للتطهر
من
الجنابة
عند
المرض. وبالاضافة
الى
ذلك
ففي
الحديث
إشارة
صريحة
إلى
وجوب
التفقه
بفقه
الأولويات
لآحاد
الناس
وسواد
الأمة.
جاء
رجل
الى
النبي
(ص) يستأذنه
في
الجهاد،
فسأله
النبي
(ص): (أحيّ والداك؟)
قال نعم.
قال النبي
(ص): (فيهما فجاهد)
رواه مسلم. والحديث
يقرر
أن
القيام
بشؤون
الوالدين
ورعايتهما
يتقدم
في
الاعتبار
-في حالة
السائل-
على واجب
الجهاد
في
سبيل
الله.
عن
أنس
رضي
الله
عنه
قال
كنا
مع
النبي
(ص) في السفر،
فمنا
الصائم
ومنا
المفطر،
قال
فنـزلنا منـزلاً
في
يوم
صار
أكثرنا
ظلاً
صاحب
الكساء،
ومنا
من
يتقي
الشمس
بيده.
قال فسقط
الصوَّام
وقام
المفطرون
فضربوا
الأبنية
وسقوا
الركاب
فقال
رسول
الله
(ص) (ذهب المفطرون
اليوم
بالأجر)
رواه مسلم.
والحديث يقرر
أن
القيام
بمصالح
الناس
العامة
وإصلاح
الضروري
من
أمر
حياتهم
يتقدم
في
الاعتبار
التطوع
في
العبادة.
سئل
النبي
(ص) عما يرى
الرجل
من
امرأة
يريد
أن
يتزوجها
فقال:
(إن استطعت
أن
ترى
منها
ما
يرغبك
فيها
فافعل) رواه ابو
داود. والحديث
يقرر
أن
ما
يرغب
الخاطب
في
الزواج
ويطمئنه
الى
وجود
الميل
والتوافق
مقدم
على
الامر
بغض
النظر.
كان
ابن
عباس
رضي
الله عنه جالساً
عند
الكعبة
فنظر
إليها
وقال:
(ما أعظمك
وما
أعظم
حرمتك،
وللمسلم
أشد
حرمة
عند
الله منك)
رواه الترمذي. وكلام
ابن
عباس
في
هذا
المقام
يقرر
أن
إيذاء
المسلم
أشد
حرمة
من
الاستهانة
أو
الإعتداء
على
حرمة
الكعبة.
وروي
عن
ابن
عمر
قوله:
(لإن أمشي
في
حاجة
أخي
أحب
إلي
من
اعتكاف
سنة). ويؤكد
هذا
الفهم
من
ابن
عمر
أن
قضاء
حاجات
الناس
وإزالة
همومهم
مقدم
في
الإعتبار
والأجر
على
نوافل
الطاعات.
قال
النبي
(ص) لسعد عندما
أوصى
بماله
في
سبيل
الله (الثلث،
والثلث
كثير.
لأن تدع
عيالك
أغنياء
خير لك من
أن
تدعهم
عالة
يتكففون
الناس)
رواه البخاري.
والحديث يقدم
حاجة
العيال
وكفايتهم
على
التوسع
في
الإنفاق
في
سبيل
الله.
كان
النبي
(ص) مهتما بحفر
الخندق
-قبل غزوة
الاحزاب-
ففاتته
صلاة
العصر
فقال:
(شغلونا عن
الصلاة
الوسطى
ملأ
الله
بيوتهم
وقلوبهم
نارا)
رواه البخاري. والحديث
يقدم
الضروري
من
أمر
الجهاد
على
واجب
أداء
الصلاة
في
وقتها.
وعند
تأمل
الامثلة
المذكورة
يتبين
بوضوح
أن
مفهوم
الاولويات
عند
اعتبار
الأحكام
الشرعية،
فكرة
أصيلة
في
سنة
النبي
(ص) وفي فهم
الصحابة
رضي
الله عنهم ففي
كل
مثال
كان
هناك
تقديم
لحكم
شرعي
آخر،
أو
مقارنة
بين
وضعين
واختيار
لأحدهما
وامر
وتوجيه
بإطراح
الحكم
الاخر،
أو
بيان
لفضيلة
وأهمية
أحدهما
على
الاخر.
وبالاضافة
الى
ما
تقدم
من
الايات
الكريمة
والأحاديث
النبوية،
نذكر
بعض
الفتاوى
عن
العلماء
والتي
يبدو
بوضوح
أنها
تنبع
من
فكرة
الاولويات:
يجوز
التيمم
عند
بيع
الماء
بسعر
أغلى
من
المعتاد
(الاختيار ج1
ـ
22)
تسقط
الجمعة
والجماعة
عند
الخوف
واضطراب
الامن
(فقه العبادات
358).
يجوز
كشف
العورة
للتداوي
الاختيار
(ج
ـ
154).
يحرم
نبش
قبر
الميت
إلا
أن
يكون
القبر
في
أرض
مغصوبة
(فقه العبادات
250).
تجوز
الصلاة
قاعداً
أو
مستلقياً
عند
العجز
أو
خوف
زيادة
المرض
(الاختيار ج1
ـ
6).
ذكر
الإمام
الغزالي
في
الإحياء
ـ
كتاب
الحلال
والحرام
ـ
أنه
لا
يجوز
سؤال
المسلم
عن
مصدر
رزقه
عندما
يقدم
طعاماً
لضيوفه
-محاولة
منهم
للتورع
عن
الشبهات-
لأن
إيحاش
قلب
المسلم
بهذا
السؤال
أشد
حرمة
من
أكل
المال
الحرام.
وفي
جميع
ما
تقدم
نرى
أن
الاحكام
الشرعية
الثابتة
قدمت
بصورة
توضح
أن
الأحكام
الشرعية
ليست
على
وزن
واحد
في
كل
الأوقات
وفي
كل
الأحوال. وبعبارة
أدق،
أنه
لا
بد
من
اعتبار
الاحكام
الشرعية
وفق
ترتيب
متدرج
في
الأولوية
أو
الأهمية.
* * *
وبعد
هذا
البيان
لمدى
أصالة
مفهوم الأولويات
في
مصادر
الشريعة
وفتاوى
الفقهاء،
لا
بد
من
استحضار
بعض
المقدمات
والقواعد
والضوابط
التي
تعين
على
معرفة
الأولويات
وتدرج
الأحكام
الشرعية
في
الأهمية.
وأول
ما
يجب
علمه
في
هذا
المجال
أن
الله تعالى
قد
قرر
الاحكام
وأمر
ونهى
لاصلاح
أمر
الخلق
ورعاية
مصالحهم
في
دنياهم
واخرتهم،
فا
سبحانه
وتعالى
غني
عن
العالمين
لا
يحتاج
الى
شيء
لا
تنفعه
طاعة
الصالحين،
ولا
تضره
مخالفات
العاصين:
(يا عبادي
لو
أن
أولكم
واخركم
وإنسكم
وجنَّكم
كانوا
على
أتقى
قلب
رجل
منكم.. ما
زاد
ذلك
في
ملكي
شيئاً. يا
عبادي
لو
أن
أولكم
واخركم
وإنسكم
وجنكم
كانوا
على
أفجر
قلب
رجل
منكم
ما
نقص
ذلك
في
ملكي
شيئا. يا
عبادي
انكم
لن
تبلغوا
نفعي
فتنفعوني،
ولن
تبلغوا
ضري
فتضروني).
فأوامر
واحكام
الشريعة
هي
هداية
ورحمة
رب
العالمين
اللطيف
الخبير
ليعيش
الناس
حياة
طيبة
في
الدنيا
ليس
فيها
عسر
ومشقة
وضيق
وحرج،
ويستحقوا
النعيم
في
الاخرة
بكرمه
وفضله
سبحانه
وتعالى:
( ومن أعرض
عن
ذكري
فإن
له
معيشة
ضنكاً،
ونحشره
يوم
القيامة
أعمى)
؛ (من عمل صالحاً
من
ذكر
أو
أُنثى
وهو
مؤمن
فلنحيينه
حياة
طيبة
ولنجزينهم
اجرهم
بأحسن
ما
كانوا
يعملون).
ومما
يجب
علمه
من
مقدمات
معرفة
الأولويات
أن الله تعالى
لم
يضع
الشرائع
والأوامر
عبثاً،
وأن
الأحكام
لم
تشرع
بمعزل
عن
مفهوم
العلة
والقصد
والغاية. فلكل
أمر
حكمة
ولكل
تشريع
غاية
ومقصد
ومعنى
يرتبط بتحقيق مصالح
العباد في الدنيا
و استقرار حياتهم
الطيبة فيها. والمسلم
مطالب
- لهذا - في محاولته
للتدين
بالأوامر
والإنصياع
للأحكام
أن
يتحرى
المعنى
وأن
يتفقد
المقصد
والغاية
ليجعل من تدينه
و التزامه موجهاً
لحياته إلى الخير
و الصلاح، ولا
يكون
من
الذين
(إذا
ذكّروا
بآيات
ربهم
خروا
عليها
صُماً
وعُمياناً).
وقد
عرض
القران
الكريم
مفهوم
العلة
والغاية
والقصد
وأصّل اعتبار المعنى
عند التدين بالأوامر
بأساليب متنوعة،
فلام التعليل،
وصيغ
لعلكم،
والامر
بالنظر
الى
العاقبة،
والأمر
بالاعتبار
والسير
في
الأرض
والنظر
والتدبر،
وذكر
قصص
الأقوام السابقين،
و ذكر قصص بني اسرائيل
وما
نقم الله منهم
من الشكلية
والحرفية
والطقوسية...
كل ذلك
لا
يمكن
أن
يكون
إشارات
عابرة،
ولكنه
الإرساء
والتأصيل
لمفهوم
الغاية
والعلة،
و
كأن الله تعالى
يأمرنا باعتبار
المعنى
والقصد
عند
الفهم
عنه
ومحاولة
التدين
بالتزام
أوامره
وتشريعاته
سبحانه
وتعالى. وقد قرر
الامام
الشاطبي
بأن
هذا
الامر
مقطوع
به
وأنه
مستمر
في
جميع
تفاصيل
الشريعة
(الموافقات
ج2
ـ
3).
و هنا
لا بد من وقفة لتوضيح
بعض اللبس و الإشكال،
فقد يتحرج البعض
من تقرير مفهوم
العلة و الغاية
و القصد و يحسب
أن هذا يتعارض
مع واجب المسلم
في التسليم للأوامر
مقطوعة عن غاياتها
و حكمتها ، فلو
كان الدين بالرأي
لكان مسح باطن
الخفّ أولى بالمسح
من ظاهره. و نسارع إلى
القول أنّ هذا
الكلام صحيح لا
يخالف فيه مسلم
إذا تعلق الأمر
بالعبادة و الشعائر،
فالعبادة حق الله
على عباده و واجبهم
أن يعبدوه بما
شرع بلا زيادة
و لا نقصان و لا
قياس تعبداً و
خضوعاً . أما إذا
تعلق الأمر بإقامة
مصالح الدنيا و
معايش الناس فلا
بد من اعتبار المعنى
و النظر إلى مقاصد
التشريع. و قد قرر العلماء
أن الأوامر الشرعية
التي تتعلق بمصالح
الدنيا و التي
لا يفهم ارتباطها
بالمصالح و المقاصد
نادر و لا بد إن
وجد من الإقتصار
على حدود المنصوص
فيه تعبداً بلا
تعدية و لا زيادة
( راجع إن شئت ما
كتبه الإمام محمد
الطاهر ابن عاشور
في – مقاصد
الشريعة الإسلامية
– ص
47 عند كلامه عن تعليل
الأحكام و عكسه
المسمى بالتعبدي
).
و يتحرج
البعض الآخر من
إثبات مفهوم العلة
و القصد و الغاية
من جهة اخرى ، إذ
يظن أن في ذلك جراءة
على الله تقدح
في الإيمان و التسليم
. فالله سبحانه
و تعالى (لا يسأل
عما يفعل) و أحكامه
و تشريعاته هي
من أفعاله التي
لا نسأله فيها
: لم ؟ أو لماذا ؟
بل يجب أن نسارع
إلى الإلتزام بها
فهمت أم لم تفهم
. و نجيب على ذلك
بما قرره العلماء
أن الله تعالى
لا يسأل سؤال محاسبة
أو استنكار، و
لكنه سبحانه يسأل
سؤال استفهام و
طلب علم و معرفة.
و قد وقع مثل هذا
السؤال –
بهذا المعنى - من ملائكة
مقربين و رسل و
أنبياء صالحين
من دون أية إشارة
إلى هجنة السؤال
أو اية معاتبة
على وقوعه منهم.
و قد سبق الوهم
إلى هذا المعنى
عند بعض العلماء
نتيجة تعلقهم بآثار
و مخلفات المعارك
الكلامية و الجدل
بين الفرق الذي
استحكم في بعض
الفترات حتى أكثر
من الغبش و الخلط
حول أساسيات الفهم
عن الله في أوامره
و هديه ( انظر إن
شئت ما كتبه الشيخ
محمد الطاهر بن
عاشور في تفسير
الآية –
لا يسأل عما
يفعل –
في التحرير
و التنوير ج17 ص 46
).
فإذا
انتهينا إلى أن
البحث في العلة
و المقاصد هو الأساس
في فهم و توجيه
الأوامر الشرعية
لتحقيق المصالح
و تجنب المفاسد
فلا بد
من
وقفة
لتعريف المصلحة
الشرعية
المعتبرة. وقد عرّف
الشيخ العز بن
عبد السلام المصالح
بأنها اللذات و
أسبابها و الأفراح
و أسبابها ، و عرّف
المفاسد بأنها
الآلام و أسبابها
و الغموم و أسبابها
وهي منقسمة إلى
دنيوية وأخروية
( قواعد الأحكام
).
و لإحتمال
اختلاط المصلحة
المعتبرة شرعاً
بالهوى المذموم
فقد أكد العلماء
أن الشريعة إنما
جاءت لإخراج العبد
عن داعية هواه
حتى يكون عبداً
لله ، وأن المصالح
المجتلبة و المفاسد
المستدفعة إنما
تعتبر من حيث تقام
الحياة الدنيا
للآخرة، لا من
حيث أهواء النفوس
في جلب مصالحها
العادية أو درء
مفاسدها العادية
( راجع إن شئت كتاب
المقاصد في الموافقات
للشاطبي ).
و قد
يزيد تعريف المصلحة
الشرعية وضوحاً
ما قرره
علماء
الأصول
وفي
مقدمتهم
الإمام
الغزالي
والإمام
الشاطبي
أن أحكام الشريعة
و أوامرها تدور
حول رعاية و تأصيل
و تزكية و حفظ كليات
و أساسيات خمسة
و هي الدين و النفس
و النسل و العقل
و المال . فالمصلحة
الشرعية
المعتبرة
هي
كل
عمل
يحقق
و يؤصل و يزكي
و يحفظ إحدى
كليات
الشريعة
التي تمثل أساسيات
الحياة الإنسانية
الراشدة .
فمقاصد
الشريعة
هي
ما
يزيد الحياة
الإنسانية
إستقراراً
و طيباً و عدلاً
و نماءً و تزكية
بحفظ
عناصرها
وإقامة
مصالحها
ودرء
الفساد
الواقع
أو
المتوقع
فيها. وبعبارة
اخرى
فالله
تعالى
سبحانه
يعلم
أن
حياة
الانسان
لا
تستقر
ولا
تنمو
ولا
ترتقي
إلا
اذا
تأصلت
فيها عناصر أساسية
خمسة
تدور
حول
حفظها
ورعايتها
وحمايتها
أحكام
الشريعة
وجميع
تفصيلاتها.
يمثل
الدين
العنصر الأساسي
في
استقرار
الحياة
الانسانية
ونموها
وزكاتها. فاستقرار
التصور
الصحيح
عن
الكون
والإنسان،
وبداية
الكون
وغايته
ونهايته،
ومركز
الانسان
في
هذا
الكون،
واستقرار
مصدر
التلقي
للقيم
والموازين
والشرائع... كل
ذلك
يعتبر
الاساس
لاستقرار
الحياة
الانسانية.
ولا
مطمع
للانسانية
في
حياة
كريمة
يسودها
العدل
والحق
والخير
إذا
ترك
الحكم
في
هذه
الامور
الهامة
للانسان
المحدود
القاصر
الذي
تحكمه
الميول
والرغبات. فالعقيدة
في
أصولها
العامة،
ومعرفة
الله
سبحانه
بصفات
جلاله
وكماله
وأصول
العبادات،
وأصول
الاخلاق
والقيم...
هي الدين.
ولا
بد
من
الاشارة
الى
أن
اقتصار
معنى
الدين
على
اسم
الملة
أو
العبادة
وحدها أو
العقيدة
مقطوعة عما تقتضيه
من عمل ـ
ولو
كانت
جميعاً
من
مضمون
معنى
الدين
ـ
يحرم
المسلم
من
الفهم
المقصدي
للاحكام
ويوقعه
في
الشكلية
الطقوسية.
تعتبر
النفس الإنسانية
بعناصرها المادية
و المعنوية هي
محل الدين و مجال
عمله ، و لذلك كان
ما يقوم به الجسم
الإنساني من متطلبات
مادية كالغذاء
و اللباس و المسكن
و المركب و الدواء
و الأمن ، و كذلك
كل ما تسمو به النفس
من أمور معنوية
مثل الكرامة و
الشرف الخصوصية
، كان كل ذلك مدار
تعليمات الدين
و تشريعاته لإستقرار
الحياة الإنسانية
. فلا تتصور الحياة
ممكنة نامية زاكية
و الإنسان مهدد
في حياته و حاجات
حياته الفطرية
الطبيعية لا يجد
ما يلبيها
إلا
بشق
الأنفس
وإهدار
الكرامة.
تعتبر
متطلبات
وشروط
النشأة
السليمة
المستقرة
للنسل
الإنساني
والمتمثلة
في
نظام
الاسرة
وقيم
ومثل
هذا
النظام،
الهدف
والمقصد
الشرعي
الذي
تدور
حوله
التوجيهات
والتشريعات
الاجتماعية.
فرعاية النسل
الانساني
وتربيته
في
أسرة
متماسكة
مستقرة،
وحماية
نظام
الاسرة
من
طغيان
الانانية
الفردية،
واعتبار
العلاقة
الزوجية
وعقد
الزواج
هو
الوسيلة
الوحيدة
–حصراً-
لتلبية
الدوافع
والحاجات
الجنسية
و
حاجة الإنجاب و
اتخاذ الذرية عند
الرجل
والمرأة
على
حد
سواء،
واعتبار
أي
تلبية
للحاجات
الجنسية
خارج
إطار
العلاقة
الزوجية
عدواناً
على
المجتمع
بأسره
وخطراً
يهدد
الأمن
الاجتماعي
بتهديد
نظام
الاسرة. كل ذلك يمثل
وجوهاً من التوجيه
الإجتماعي لاستقرار
الحياة الإنسانية
و استقرار ضوابطها
الأخلاقية و القانونية
.
ويلحق
بحفظ
النسل
كل
ما
يتعلق
بترتيبات
تأصيل
نظام
الاسرة
كالأمر
ببر
الوالدين
وصلة
الارحام
ورعاية
الايتام،
وكذلك
كل
ترتيبات
دفع
الفساد
المتوقع
على
نظام
الاسرة
كالامر
بغض
النظر
وستر
العورة،
وتحريم
الخلوة
بالأجنبية
والامر
بالجدِّية
و
الحشمة في اللهجة
وموضوع الكلام
عند تخاطب
النساء
والرجال،
وإباحة
الطلاق
عند
تنافر
الطباع
وتعذر
الوفاق.
العقل
الإنساني هو
مناط
الكرامة
والتكليف. وحفظ
العقل
هو
حفظ
قانون
السببية
فيه
عند
التعامل
مع
الواقع
المادي
والاجتماعي
أو
التعامل
مع
اللغة
وقوانين
المعاني
فيها.
فالانسان
مطالب
بالفهم
لأوامر
الله ومطالب
بمعرفة
ظروفه
وما
يحيط
به
من
أمور
مادية
واجتماعية
واقتصادية،
ومطالب
باجراء
الموافقة
والمطابقة
لتنـزيل
الامر
الإلهي
على
واقعه.
فالتدين بالامر
الشرعي هو الفهم
للأمر المطلق و
تنـزيله في محله
المناسب في الواقع
و بشكل يحقق مقاصد
الأمر المطلق و
غاياته ، وهذا
الفهم
وهذه
المطابقة
تحكمها
قوانين
المعرفة
التي
غرسها
الله سبحانه
في
الفطرة
الانسانية. ولا تتصور
الحياة
الانسانية
مستقرة
راشدة
إلا
باستقامة
التعامل
مع
قوانين
المعرفة
في
الفطرة
و
العقل و الواقع
المادي و الإنساني
. و لا تتصور الحياة
راشدة كذلك إلا
بحماية العقل من
أي تعطيل مادي
بالمسكرات و المخدرات
أو من أي تعطيل
وظيفي بالتقليد
أو بترويج الخرافة
أو إهمال النظر
في قوانين السببية
و التسخير. فتحريم
المسكرات
والمخدرات،
وتحريم
السحر
والتنجيم
والكهانة
والعرافة
وضرب
الرمل
وزجر
الطير
والتطير
والفأل
و تحريم الإستقسام
بالأزلام والأمر
بالبعد
عن
اتباع
الظن
والامر
باتباع
الدليل
واقتفاء
العلم
وطلب
البرهان
والامر
بالنظر
الى
العواقب...
كل ذلك
هو
حفظ
لوظيفة
العقل بحفظ
قوانين
المعرفة
والسببية
فيه
وحمايته
من
الخرافة
والأوهام
وصيانته
عن
التعطل
بالمسكرات
والمخدرات.
تعتبر
الإمكانيات و الموارد
على النطاق
الفردي
والجماعي
القاعدة المادية
الضرورية التي
تمكن من خدمة و
رعاية و تأصيل
الكليات الإنسانية
الاخرى، ويتمثل
مقصد حفظ المال
في رعاية و ضبط
و حفظ الثروات
و كل ما تقوم به
الحياة من المنافع
و الخدمات و استقرار
دوران هذه الخدمات
و المنافع في المجتمع
. فالأمر بالعمل
و التكسب ، و الأمر
بتأمين الكفاية
الفردية و الجماعية
، و تحريم الإسراف
و التبذير و هدر
الموارد و تضييع
الثروات ، و جميع
تدابير استقرار
قوانين التبادل
للخدمات
والسلع
و تحريم كل ما يصادمها
أو يمزجها بالظلم
و الإستغلال و
المشقة و العسر،
وحماية
الدورة
الاقتصادية
من
التعطل
بالكنز
والاحتكار...
وحماية الملكية
الفردية
من
السرقة
والغصب
والظلم،
ومنع
الغرر
والغش
والجهالة
المفضية
الى
النـزاع... والامر
بالوفاء
بالعقود
ورد
الأمانات
وتحريم
الربا... كل
ذلك
يمثل
أمثلة
لرعاية الشريعة
للقاعدة المادية
التي يقوم عليها
كيان الأمة و الأفراد
.
* * *